إقامة الجمعة في مناطق ضواحي المدينة

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

 ما قولكم في أهل المحط وأهل الخور ببندر الشحر هل تجب عليهم إقامة الجمعة في أماكنهم أم لا؟ لأنهما مع الشحر كالبلدة الواحدة فحيث قلتم كالبلدة الواحدة فهل تكون مثلها في جميع الأحكام حتى أن المسافر من الشحر لا يترخص بالجمع والقصر حتى يجاوزهما أم كيف الحال؟

الحمد لله، (الجواب) والله أعلم بالصواب: جاء في مجموعة الحبيب طه بن عمر جواب إلى الشيخ العلامة عبد الله بن أحمد بامخرمة عما يقارب السؤال الأول وهذا نص ما في المجموعة: (ما تقولون في مثل الشحر وحوطها إذا قلتم بما رجحه النووي هل الأولى اجتماع الناس في مكان واحد لإقامة الجمعة كما هو المعهود ولا يكونون مسيئين بتعطيل الحوط أو الأولى تعددها ..الى آخر؟ (الجواب) نعم يتعين اجتماع أهل قرية الشحر لصلاة الجمعة فيها وأهل الحوط المذكورة تبع لهم كما عليه عمل السلف في قديم الدهر وحديثه، ونظر الأولين أتم من نظرنا، وعقولهم وإدراكهم أكمل من عقولنا وإدراكنا، فنتبع سبيل المؤمنين ونقف عنده، فإن حوط الشحر المذكورة لا تسمى عرفاً قرى وإنما هي محال كجانبي بغداد فحوط الشحر تابعة لقريتها)([1]) انتهى بحروفه، وفيها أيضاً: (وسئل عن الشحر أيضاً علامة عصره الشيخ عبد الله بن عمر بامخرمة في فتاويه العدنية (وأجاب) بما حاصله: (أن الاعتبار بالقرية في العدد ..الى آخر والاجتماع على ذلك من كون حوط الشحر محال مباني لا قرى)([2]) انتهى، وهذا نص صريح في المسألة المسئول عنها يؤيده قول العلامة ابن حجر في التحفة في باب الجمعة: (قال ابن عجيل ولو تعددت مواضع متقاربة وتميز كل باسم فلكل حكمه انتهى، وإنما يتجه إن عدَّ كل مع ذلك قرية مستقلة عرفاً)([3]) انتهى، ومثله في فتح المعين نقلاً عن شيخه ابن حجر، قال العلامة السيد بكري شطا في حاشيته عليه: ( (قوله إن عد كل مع ذلك) أي مع تميز كل باسم قرية مستقلة، فإن لم يعد كل مع ذلك قرية مستقلة كالمواضع المتعددة بمكة المسماة بالحواير فإن كل موضع له اسم مخصوص كالشبيكة والشامية فليس لكل حكم مخصوص بل الكل حكمه حكم موضع واحد)([4]) انتهى، ويؤيده أيضاً ما في التحفة من باب صلاة المسافر عقب قول المتن:(ومن سافر من بلدة فأول سفره مجاوزة سورها فإن كان وراءه عمارة اشترط مجاوزتها في الأصح قلت الأصح لا تشترط والله أعلم قال:لأنها لاتعد من البلد)([5]) انتهى، فتعليله عدم اشتراط مجاوزة العمارة بأنها لا تعد من البلد يُفهِم أنها إذا عدت من البلد اشترط مجاوزتها، فالملحظ حينئذ كون البلد التي تقام فيها الجمعة خطة بلد أو قرية بحيث تسمى عرفا بلداً أو قرية، لا ما ليس كذلك لكونه في الأصل وضع محلة للآحاد، كالمحال حول البلد الخارجة عن سورها، وكالمواضع المتعددة بمكة، فإن الكل حكمه حكم موضع واحد كما نصت عليه عبارة حاشية شطا المارة.

وفي المجموعة أيضاً نقل طويل الذيل عن الشيخ العلامة أحمد بن محمد مؤذن باجمال لما سئل رضي الله عنه عن المباني الكثيرة الحادثة بقرب شبام المسماة الخِبَّه, ورفع له السيد علي بن عمر بن طه باعلوي جواباً عن ذلك للشيخ العلامة أحمد بن محمد المدني القشاشي فقال نفع الله به ورضي عنه ما ملخصه أن([6]): (هذه المباني ليست خطة بلد ولا قرية لأنها تعد عرفاً من أعمال شبام لا لأنها خطت في الأصل بلداً مستقلة كما لا يجهل ذلك سكان حضرموت أجمع وإنما هي مباني كمباني عيديد بتريم فيها دور كثيرة وسكان كثير قاطنين ومسجد وكذلك النخر بعينات فيه دور كثيرة ومسجد وسكان قاطنين كثير كذلك ومن ذلك الشحر فأصل البلد المختطة القرية فقط وحولها من الحوط كصورة البلد العقل، وحوطها البقية المعلومة، ومن ذلك أمثال في البلدان كثيرة، لتعلم أن المباني خارج السور وإن كثرت ليست خطة بلد ولا قرية عرفاً, وقد حقق ذلك العلامة شيخ مشايخ الجهة عبد الله بن أحمد بامخرمة في فتاويه في باب السفر لما سئل عن الشحر وحوطها لتكون نصاً في شبام وتريم وعينات ونحوها).

ثم ساق عبارة الفتاوى التي صدَّرنا بها هذا الجواب ثم قال: (فالخبة- مباني قليلة من أول الزمان حول شبام وقد ذهبت من السيل، ثم أعيد مكانها وصارت لكثرتها وما فيها من كثرة السكان والمساجد كخطة بلد، فهل تسمى قرية مستقلة؟ فلو سئل عن ذلك شيخنا العارف بالله أحمد (أي المدني القشاشي) لصَدَر جوابه أنها إن كانت  محال كالمحال حول البلد الخارجة عن سورها فلا تعد بلداً مختطة، لأن الشيخ ساكن في محال حول المدينة لا يخفاه ذلك وإن الإشكال هل هي بلد في الأصل مختطة أم صورة مباني محال فقط؛ فالقاضي في ذلك العرف، ومعلوم عند الخاص والعام  فضلاً عن أهل شبام أن مباني الخبة المذكورة ليست خطة بلد ولا قرية لأنها محال من قديم الزمان معلومة بذلك، فهي وإن كثرت ديارها وعدد سكانها ومساجدها ليست خطة قرية لكونها في الأصل وضعت محلة الآحاد لا خطة بلد، واتضح أنها من أعمال شبام وترتب على أهلها ما يترتب على ساكني المحال المبنية حول البلدان والقرى هذا ما تحققته واتضح، ولا أشك أن ذا عقل سليم يخامره شك في ذلك، ولا ذا علم واسع يشكل عليه ذلك)([7]) انتهى المقصود، وما قاله في مباني الخبة بالنسبة لشبام يقال في المحط والخور بالنسبة للشحر بل أولى، لأن بين الخبة وشبام مسيل ماء متسع نحو مائة خطوة وأما المحط والخور فهما متصلان بالشحر وكلام العلامة عبد الله بن أحمد بامخرمة وحفيده صريح في ذلك وكفى به حجة. 

إذا علم  هذا فقول السائل (وحيث قلتم كالبلدة الواحدة فهل تكون مثلها في جميع الأحكام حتى أن المسافر من الشحر لا يترخص بالجمع والقصـر حتى يجاوزهما) جوابه: أنها متى عدت من البلد ثبت لها جميع أحكام البلد، ومن ذلك عدم الترخص للمسافر من تلك البلد بالجمع والقصر إلا بعد مجاوزتها ولا يشكل على هذا قول ابن حجر في التحفة: (أن من بالعمران الذي وراء السور لو أراد أن يسافر من جهة السور لم تشترط مجاوزة السور)([8]) انتهى وذلك لأن كلامه فيما إذا لم يعد ذلك العمران من البلد، بدليل تعليله عدم اشتراط مجاوزة السور  بقوله: لأنه (أي المسور) مع خارجه كبلدة منفصلة عن أخرى) انتهى، أما إذا عدّ ذلك العمران من البلد فلا يكونان كبلدة منفصلة عن الأخرى، بل هما كبلدة واحدة كما تقدم النقل فيه عن حاشية شطا. 

هذا ما ظهر لنا من غضون كلامهم، فإن وافق الحق و إلا فالرجوع إلى الحق أحق بالاتباع، والله أعلم. وكتبه الفقير إلى الله محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم عفا الله عنه آمين. بتاريخ 4/ربيع الأول/1376 هـ.


([1])   انظر: مجموع الحبيب طه (صـ109)، ط دار القبلة.

([2])   انظر: مجموع الحبيب طه (صـ110) ط دار القبلة.

([3])   انظر: حواشي التحفة (2/424) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.

([4])   انظر: إعانة الطالبين (2/73) ط دار الفكر.

([5])   انظر: حواشي التحفة (2/370 و 371) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.

([6])   انظر: مجموع الحبيب طه (صـ109) ط دار القبلة.

([7])   انظر: مجموع الحبيب طه (صـ110 و 111) ط دار القبلة.

([8])   انظر: حواشي التحفة (2/371) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.