اختلاف جهة قبلة المسجد لما في البوصلة

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

ورد إلينا سؤال يقول فيه السائل:

حصل خلاف في مسجدنا حول جهة القبلة، فبعض الناس يقولون: يجب أن تحول القبلة على حسب ما يحدده جهاز البوصلة؛ فهي من الوسائل الحديثة لتحديد القبلة. وبعضهم يقولون: بل نبقى على ما كنا عليه؛ لأننا مستقبلون القبلة باجتهاد علمائنا الأوائل، الذين بنو اتجاه قبلة البلاد بواسطة النجوم وعبر القطب الشمالي.

ولكي يزول الخلاف نرجو منكم الجواب على المسائل التالية:

هل يمكن أن تُعتمدَ الوسائل الحديثة – مثل البوصلة ونحوها – في تحديد القبلة؟  وهل هناك نص عند علمائنا السابقين يفيد اعتمادها؟  وهل العمل بها ملزم شرعا، دون الاعتماد على الوسائل القديمة؟

ماحكم الصلاة التي أقيمت باجتهاد العلماء، التي بحسب رواية أصحاب البوصلة أنها انحرفت عن اتجاه القبلة الصحيح؟

هل يجب تعديل المسجد من جديد بناء على ما يقوله أصحاب البوصلة؟

الحمد لله.. الجواب وبالله التوفيق:

قد نص العلماء على وجوب الاجتهاد لمعرفة القبلة؛ بالدلائل على من لم يمكنه المعرفة باليقين، أو بالإخبار عن علم. وعلى أن الأقوى والأرجح من الدلائل يقدم وجوبا على الأضعف منها، وأن أقواها الأطوال والأعراض مع الدائرة الهندسية، ثم القطب، ثم الكواكب والشمس والقمر، ثم الرياح، وهي أضعفها. ذكر هذا الشيخ عبد الحميد في حاشيته[1]  نقلا عن الكردي.

ونقل الشيخ الرملي – عن إفتاء والده – جواز الاعتماد على بيت الإبرة – لعلّه البوصلة – ؛ لإفادتها الظن بذلك. وهذا كما في «النهاية»[2].

وقال الإمام الشافعي في كتابه «الأم»[3]: (ومن كان في موضع من مكة لا يرى منه البيت، أو خارجا عن مكة، فلا يحل له أن يدع كلما أراد المكتوبة أن يجتهد في طلب صواب الكعبة بالدلائل، من النجوم، والشمس، والقمر، والجبال، ومهب الريح، وكل ما فيه عنده دلالة على القبلة) اهـ.

وأما الصّلاة التي أقيمت باجتهاد العلماء الأوائل، فإذا قال أصحاب البوصلة أنها انحرفت عن الاتجاه الصحيح للقبلة.. فجوابه: ما ذكره الحافظ السيوطي في كتابه «الحاوي للفتاوي»[4] ، وقد سُئلَ: عما إذا نشأ جماعة ببلدة عُمْرُ كل واحد نحو خمسين سنة، وهم يصلون إلى محراب زاوية كان على عهد آبائهم ببلدهم، وهم لا يعرفون أمضى عليه قرون أم لا؟  ولا يعرفون هل طعن فيه أحد أم لا؟  ثم ورد عليهم شخص يعرف الميقات، فقال لهم: هذا فاسد. وأحدث لهم محرابا غيره منحرفا عنه، هل يلزمهم اتباع قوله وترك المحراب الأول أم لا؟  وإذا لزمهم فهل يجب عليهم إعادة ما صلوه إلى الأول أم لا؟

فأجاب بقوله: ومحراب الزاوية المذكور إن كانت بلدته كبيرة، أو صغيرة كثيرة المرور بها، ولم يسمع فيه طعن فالصلاة إليه صحيحة، وإن كانت صغيرة، ولم يكثر المرور بها، لم تصح الصلاة إلا باجتهاد، ويُتّبَعُ قولُ الميقاتيّ في تحريفه؛ إن كان بارعا في فنه موثوقا به، وقليل ما هم، ولا يلزم إعادة ما تقدم من الصلوات» اهـ.

 وقول السائل: هل يجب تعديل المساجد من جديد بناء على ما يقول أصحاب البوصلة؟  فجوابه: أنه إذا نشأ بالقرية قرون من المسلمين، وسلِمَتْ من الطعن، فلا يجوز الاجتهاد في انحراف جهة القبلة إلى جهة أخرى؛ لأن الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد، نعم يجوز الاجتهاد في التيامن والتياسر، ففي كتاب المنهاج للإمام النووي[5] قال: « ومن أمكنه علم القبلة حرم عليه التقليد والاجتهاد، وإلا أخذ بقول ثقة يخبر عن علم» اهـ.

وقال في «التحفة»[6]  -عند قوله: (يخبرُ عَن علم)-: (كقوله هذه الكعبة، أو رأيت الجم الغفير يصلون لهذه الجهة، أو القطب مثلا هنا، وهو عالم بدلالته، وكمحراب وهو بقرية نشأ بها قرون من المسلمين؛ بشرط أن يسلم من الطعن.. نعم يجوز الاجتهاد في المحراب المذكور بأقسامه يمنة ويسرة؛ لإمكان الخطأ فيهما مع ذلك، ولا يجب خلافا للسبكي؛ لأن الظاهر أنه على الصواب) اهـ.

قال الإمام السيوطي في «فتاويه»[7] : (ليس المراد بالقرون ثلاثمائة سنة بلا شك، ولا مائة سنة، ولا نصفها، وإنما المراد جماعات من المسلمين صلوا إلى هذا المحراب، ولم ينقل عن أحد منهم أنه طعن فيه، فهذا هو الذي لا يجتهد فيه في الجهة، ويجتهد فيه في التيامن والتياسر، وقد عبّر في شرح المهذب بقوله: في بلد كبير، أو في قرية صغيرة، يكثر المارون بها، حيث لا يقرونه على الخطأ. فلم يشترط قرونا، وإنما شرط كثرة المارين، وذلك مرجعه إلى العرف، وقد يكتفى في مثل ذلك بسنة، وقد يحتاج إلى أكثر بحسب كثرة مرور الناس بها، وقلته، فالمرجع إلى كثرة الناس، لا إلى طول الزمان) اهـ.

وفي حالة تبين الخطأ في القبلة فحكم الصلوات الماضية يجري فيها الخلاف الحاصل في المذهب، وخلاصته كما في متن «المنهاج» مع «المغني»[8]: « (ومن صلى بالاجتهاد) منه أو من مقلده، (فتيقن الخطأ) في جهة، أو تيامن، أو تياسر معينا، قبل الوقت، أو فيه أعاد، أو بعده (قضى) وجوبا (في الأظهر)، وإن لم يظهر له الصواب؛ لتيقنه الخطأ فيما يؤمن مثله في العادة.. والثاني: لا يقضي؛ لأنه ترك القبلة بعذر فأشبه تركها في حال القتال، ونقله الترمذي عن أكثر أهل العلم، واختاره المزني، وخرج بتيقن الخطأ ظنه، والمراد باليقين هنا ما يمنع الاجتهاد فيدخل فيه خبر الثقة عن معاينة» اهـ.

فقد تبين أن هذه الآلات تعتمد بشرطها حسب التفصيل السابق في الجواب، وأنه لا يجب قضاء الصلاة التي صليت باجتهاد صحيح، إلا إذا تبين خطأ الجهة، وتُيُقّن ذلك الخطأ. والله تولى توفيق الجميع للصواب. والله تعالى أعلم. 


 [1] انظر ((حاشية الشرواني على التحفة)) (1/500).

[2] انظر ((نهاية المحتاج)) للعلامة الرملي (1/443). 

[3] ((الأم)) (١/١١٤).

[4] ((الحاوي للفتاوى)) (1/39). 

[5] ((منهاج الطالبين)) (صـ:24).

[6] ((تحفة المحتاج)) للعلامة ابن حجر (1/497ـ498).

[7] ((الحاوي للفتاوى)) (1/39). 

[8] انظر ((مغني المحتاج)) للعلامة الخطيب (١/٣٣٨).