اختلاف حاكم البلدين مع اتحاد مطلع الهلال

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

     ذكروا أنه إذا رؤي الهلال ببلد لزم حكمه البلد القريب وهو ما اتحد مطلعه مع مطلع بلد الرؤية، فهل يشترط مع ذلك أيضا اتحاد حاكم البلدين كما نقله في بغية المسترشدين عن الحبيب العلامة عبدالله بن عمر بن يحيى، وهل له مستند في ذلك أم لا؟ فقد سمعنا بعضهم يقول أنه لا سلف له في ذلك وأنه من تفرداته؟

(الجواب): الحمد لله، سبحانك اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ونعوذ بك اللهم من التجري على العلماء العاملين والأولياء العارفين ومن أن نقول ما ليس لنا به علم أو نعتقد ما ليس بحق، قد تكلم على هذه المسألة المسئول عنها من ليس لدينا أدنى مرية في ثقته وضبطه وتحريره وتدقيقه وتحرّيه وعدالته وقد علم الحكم الشرعي عنها بأنه (يشترط مع اتحاد المطلع اتحاد حاكم البلدين)([1]) كما نص عليه مؤلف بغية المسترشدين نقلاً عن الحبيب عبدالله بن عمر بن يحيى، وبفرض أنا لم نطلع على نص آخر في تلك المسألة فإن كلام هذا الإمام المحقق العارف بالله والدال عليه سيدنا الحبيب عبدالله بن عمر بن يحيى نفعنا الله به ورضي عنه هُوَ بمنزلة النص بالنسبة لنا معشر المتطفلين على هذه الموائد العزيزة، ونَقْلُ الإمام العلامة مفتي حضـرموت وشيخ زمانه وأوانه سيدنا الحبيب عبدالرحمن بن محمد المشهور رضي الله عنه لهذه المسألة وسكوته عليها هو الدليل الكافي الذي تطمئن إليه نفوس العارفين بمكانة أولئك السادة من العلم والورع ولا يقبل عقل مُحسِن الظن بهذين الإمامين والمعترف لهما بالتفوق والتقدم عليه وعلى كافة أهل عصرنا أن يتفرد أحدهما بحكم شرعي ويوافقه عليه الآخر من غير مستند لهما في ذلك ولا سلف كما يزعم البعض من أهل هذا الزمان الذي هو أبو العجائب والغرائب، وهل شريف علوي متسع في العلم خائف مقام ربه متبع سنة رسوله أن يتقول في دين الله ما لم يكن له فيه سلف ثم لا يُظهر للناس أنه من تفرادته وأنه بحسب ما ظهر له فقط؟ حاشا وكلا فقد عرفنا نحن على قصر باعنا في المعرفة وعدم اطلاعنا التام على التراجم كما ينبغي وتواترت الأخبار عن هذين الإمامين وعن كل من كان على شاكلتهم أنهم بمكان عظيم من الخشية لله والخوف منه والمراقبة له جل وعلا، فكيف يسوغ إذاً أن يدور بخلد أي طالب حضـرمي الشك أو عدم الاطمئنان لما نقلوه وحرروه ونقحوه رضي الله عنهم وأعاد علينا من بركاتهم آمين، وفوق هذا كله فالمسألة المذكورة واضحة لا غبار عليها مأخوذة مما نص عليه كافة الفقهاء من أن القاضي بالنسبة لغير محل عمله كالمعزول فإذا كان كالمعزول فكيف يلزم حكمه بثبوت الهلال على من لم يصدقه من غير أهل ولايته، قال في التحفة: (وأفهم قوله كمعزول أنه لا ينفذ منه فيه تصرف استباحة بالولاية …)([2]) إلى آخر، والحكم بثبوت الهلال من التصرف بل قد صرح سيدنا الحبيب النحرير المتبحر في كثير من العلوم عفيف الدين عبدالله بن حسين بلفقيه في بعض مكاتباته بما ذكره هذان الإمامان ونص عبارته: (وعلى تقدير صحة الحكم بالتواتر فيلزم بمقتضاه من شملته ولاية ذلك الحاكم، فلو قدرنا صحة حكم الأخ حسين مديحج مثلا باستيفاء شروطه في شهر من الشهور صحت في حق وسط البلاد، بل في حق بعضهم؛ إذ شوكة موليه لم تتعد إلى غيره، وأما جوانبها كعيديد والخليف والنويدره فلا سبيل لوجوب الصوم عليهم بمقتضى حكمه والحالة هذه وإذا كان هذا في نفس البلاد فكيف يلزم من هو خارجها كدمون وثبي والغرف والسويري وعينات)([3]) انتهى، وفي جواب للشيخ العلامة عبدالله بن أحمد باسودان ما يؤيد ذلك أيضاً، فقد سئل عن: إقليم متحد المطلع كدوعن وحضرموت فرؤي هلال رمضان ببلد منها وثبت عندهم بشهادة العدول بالأحد مثلاً وصدقهم بعض الناس فهل يلزمه قضاؤه لأنه صام بالاثنين؟ ..إلى آخر السؤال، فأجاب رضي الله عنه: (أن ثبوت رمضان وكذا شوال لا يلزم العمل به على العموم إلا بثبوته عند قاضي البلد أو بلوغ الرائين له عدد التواتر، وأما ثبوته في بلد قريب متحد مطلعه كما في السؤال فلا يثبت على أهل المطلع المتحد على العموم إلا إن ثبت عند قاضٍ بشرطه، وأما إذا بلغ الخبر بالثبوت كما في السؤال ولم يثبت في غير بلد الرؤية فلا يلزم الصوم على العموم وأما من بلغه الخبر وصدقه فيلزمه الصوم وكذا القضاء إن فات لوقته كقضاء يوم الأحد المذكور في صورة السؤال) انتهى المقصود منه مع تلخيص في السؤال، وهذا نص عبارة فتوى الحبيب عبدالله بن عمر بن يحيى الملخصة في بغية المسترشدين فقد سئل رضي الله عنه بما مثاله: (ما قولكم إذا رؤي الهلال ببلد وصام أهله ولم ير في بلد آخر وكان بينهما مسافة القصر هل يجب على أهله أن يصوموا؟

فأجاب بما صورته: ذكر في التحفة والنهاية والإمداد وفتح الجواد ما حاصله (أن الكلام في هذه المسألة ينقسم على قسمين الأول: نزول الصوم على جميع الناس المصدّق بالرؤية وغيره وشرطه أن يتحد مطلع البلدين أو البلدان وإن زاد ما بينهما على مسافة القصر ويعلم ذلك من أهل علم الفلك وأن يصدر حكم صحيح من حاكمٍ ولايتُهُ عامة على البلدين أو البلدان فمتى اتحدت المطالع وصدر الحكم بالرؤية ممن ذكر لزم الجميع الصوم وإن كان بينهم وبين بلد الرؤية مراحل عديدة.

الثاني: أن لا تتحد مطالع بلد الرؤية والبلد الآخر أو تتحد لكن صدر الحكم بالرؤية من حاكم لا ولاية له على البلد الأخرى ففي عدم اتحاد المطالع لا يجب الصوم على أهل البلدة التي لم ير فيها وإن اتحد الحاكم بها بل يلزم الصوم أهل بلد الرؤية فقط وفيما إذا اتحد المطلع ولم يتحد الحاكم بل كانت البلد الأخرى تحت قاضٍ غير الحاكم بالرؤية ولم تثبت الرؤية عنده بحجة شرعية أو ليس لها قاض أصلا فلا يجب الصوم على عموم أهل تلك البلد بحكم قاضي بلد الرؤية لأنهم ليسوا تحت حكمه ويجب على من صدق الخبر بالرؤية بسماعه من الرائي أو سماعه من مبلغ عنه  أو من الحاكم بالرؤية ولا يجب على من لم يصدق , هذا حاصل ما ذكروه في المسألة باختصار)([4]) انتهت عبارة الفتاوى المذكورة، وبها يعلم أن كاتبها لم يتفرد هو باشتراط حاكم البلدين أو البلدان في ثبوت الهلال ووجوب الصوم مثلا على العموم بل سلفه في ذلك هم الذين ذكرهم في صدر جوابه وكفى بهم سلفا والله أعلم بالصواب. وكتبه راجي عفو ربه محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم عفا الله عنه آمين في 12 ظفر الخير سنة 1363هـ.

الحمد لله، ما قاله وقرره حضرة المجيب الفاضل كثر الله من أمثاله صحيح مقرر وفيما نقله من النصوص المعتمدة والأدلة الصحيحة المصرحة بما ادعاه كفاية لمريد الحق ومبتغيه فجزاه الله خيراً فقد أوضح الحق لطالبه وأنار الطريق لسالكه والله أعلم. وكتبه الفقير إلى الله سالم بن سعيد بكيّر سامحه الله.

الحمد لله، وبعد فقد تشـرفت بمطالعة ما كتبه المجيب على هذا السؤال وليس بعد ما نقله من النصوص وما دوَّنه من البحوث مجال للشك والارتياب فجزاه الله خيراً وكثّر من أمثاله. وكتبه الحقير محمد بن سالم السري.

الحمد لله، وبعد فقد أمعنت النظر فيما قاله وقرره المجيب فوجدته طبق الصواب وما نقله من النصوص المعتمدة الراجحة والأدلة الصريحة الواضحة التي تقوي ما ادعاه كفاية لمن أراد الحق وابتغاه فجزاه الله أفضل الجزاء وكثر في المسلمين أمثاله. وكتبه الفقير إلى الملك القدوس محمد بن عبدالله العيدروس.

([1])   (1/214، 218).

([2])   انظر: حواشي التحفة (10/226) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.

([3])   انظر: مكاتبات بلفقيه بهامش الفتاوى اتحاف الفقيه  (صـ 170) ط دار الميراث النبوي.

([4])   انظر: فتاوى بن يحيى  (صـ 110) ط المدني.