الربا بالذهب والفضة والأوراق المالية

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

     ما قولكم في بيع الفضة بالفضة مع التفاضل أو بالذهب مع التأجيل في العوضين أو أحدهما إذا لم يكن هناك عقد هل هو من الربا أو لا؟ وإذا لم يكن ربا فهل يحرم أو لا؟ وما حكم الأوراق المالية (النوط) هل تعطى حكم الفضة حتى يشترط لبيعها بها الحلول والتقابض والتماثل أو تنزل منزلة النحاس والعروض التجارية ، وهل تجب الزكاة فيها إذا بلغت نصاباً وحال عليها الحول أو لا؟

الحمد لله، (الجواب) والله أعلم بالصواب: أنه حيث لم يحصل في هذه المعاملة عقد بين المتعاقدين فلا يصدق عليها حد الربا لأنهم ذكروا في حده أنه عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما وهنا لم يحصل عقد كما ذكر السائل فلا تكون من الربا إلا على القول الضعيف القائل بانعقاد البيع بالمعاطاه لأن خلاف المعاطاه يجري في سائر العقود المالية كما في التحفة والنهاية والمغني وغيرها، قال في التحفة من باب البيع: (فلا ينعقد بالمعاطاه وهي أن يتراضيا بثمن ولو مع السكوت منهما واختار المصنف كجمع انعقاده بها في كل ما يعده الناس بها بيعاً وآخرون في محقر كرغيف)، ثم قال: (ويجري خلافها في سائر العقود الماليه) انتهى، قال عبد الحميد في حاشيته: (قوله (فلا ينعقد بالمعاطاه) إذ الفعل لا يدل بوضعه فالمقبوض بها كالمقبوض ببيع فاسد فيطالب كل صاحبه بما دفع إليه إن بقي وببدله إن تلف وقال الغزالي للبايع أن يتملك الثمن الذي قبضه إن ساوى قيمة ما دفعه لأنه مستحق ظفر بمثل حقه والمالك راض إنتهى مغني)([1]) انتهى.

وقول السائل (وإذا لم يكن ربا فهل يحرم أو لا؟) جوابه: أنه يحرم أقل من حرمة الربا، وقال بعضهم: فيه إثم الربا الشـرعي، قال الباجوري في حاشيته على بن قاسم: (فإذا لم يكن هناك عقد كما لو باع معاطاة وهو الواقع في أيامنا غالباً لم يكن ربا وإن كان حراما لكن أقل من حرمة الرباه)([2]) انتهى، وفي حاشية البجيرمي على شرح المنهج عند قوله عقد ما نصه: (فما يقع الآن من إعطاء دراهم بأكثر منها لأجل بلا عقد ليس من الربا بل من أكل أموال الناس بالباطل عزيزي، قال بعضهم: وفيه إثم الربا الشـرعي)([3]) انتهى، وفي فتاوى الجمال الرملي ما مثاله: ( (سئل) هل المأخوذ بالبيع الفاسد مع رضا المتبايعين حلال أم لا؟ (فأجاب): بأنه لا يحل للآخذ له التصرف فيه لأنه يجب على كل منهما رد ما أخذه على مالكه)([4]) انتهى، نعم في حاشية السقاف على فتح المعين عند قوله (فعلى الأول المقبوض بها (أي المعاطاه) كالمقبوض بالبيع الفاسد (أي في أحكام الدنيا أما في الآخرة فلا مطالبة بها) ) ما صورته: (لك أن تقول الكلام جميعه مفروض فيمن لم يعلم أو يظن رضا المأخوذ منه ولو بلا بدل، أما من علم أو ظن رضاه فلا يتأتى فيه خلاف المعاطاه لأنهم إذا جوزوا له الأخذ من ماله مجاناً مع علم الرضا أو ظنه فلأن يجوز الأخذ عند بدل الشـيء أولى لأنَّ المدار ليس على عوض ولا عدمه بل على ظن الرضا فحيث وجد عمل به وحينئذ لا يكون أخذه من باب البيع لتعذره بل من باب ظن الرضا بما وصل إليه وعجيب من الأئمة كيف أغفلوا التنبيه على ما ذكرته فكأنهم وكلوه إلى كونه معلوما انتهى إيعاب )([5]) انتهى.

وقول السائل (وما حكم الأوراق المالية النوط هل تعطى حكم الفضة حتى يشترط لبيعها بها) ..إلى آخر السؤال (جوابه): (سئل العلامة النحرير مفتي الشافعية بمكة المحمية الشيخ محمد بن سعيد بابصيل رضي الله عنه عن الأوراق الرايجة رواج  النقود هل تدخل في تعريف النقود أم لا؟ وهل يكون فيها الربا أم لا؟ وهل تجب زكاة التجارة فيها في العرض المشترى بها أم لا؟ ولو أتلفها شخص هل يضمن مثلها أو قيمتها؟ أفتونا.

(فأجاب) بقوله: اعلم أن المشهور عن واضع تلك الأوراق أنه يضمها لتدل على نقود مقدرة بمقادير مختلفة وإن من بيده شيء من تلك الأوراق مأذون له أن يستلم من بيت مال واضعها ما دلت عليه بشـرطه المعروف عندهم، إذا علمت ذلك تبين لك أن من كان له دين على واضع تلك الأوراق بوجه شرعي كأجرة أو قرض كان مالكاً لما دلت عليه الأوراق من الدين، وحكمه حكم سائر الديون من أنه تجب عليه زكاته لكن لا يلزمه الإخراج إلا بعد التمكن منه باستلامه بالفعل أو قدرته عليه ولا يخرج إلا نقداً فلا يصح إخراج الورق، وأنه إن باع مالك مائة ريال وبيده ورقتها بمائة وعشرين مثلاً يملكها المشتري وبيده ورقتها كان ذلك رباً وكان فاسداً، أما زكاة التجارة فإن اشترى شخص عرض تجارة بثمن مقدر ناوياً التجارة ولم يشترط على البائع أنه يسلمه من الورق كان العقد صحيحاً والتجارة صحيحة وزكاته واجبة، ثم إن سلم الثمن من الورق وقبله البايع لم يضـر في صحة العقد المتقدمة.

وقول السائل (ولو أتلفها شخص) إلى آخره (جوابه): أن الأوراق ليست مثليه؛ لأن المثلي ما ضبطه كيل أو وزن وصح السلم فيه وهذه ليست كذلك وليس لها قيمة في نفسها لذاتها فلا يضمن متلفها شيئاً، فإن قدرنا أن لها قيمة في نفسها لزمت المتلف، هذا حكم من بيده ورق وله دين في ذمة واضع الورق، أما من لم يكن له في ذمة واضع الورق دين ولكن واضع الورق أعطاه شيئاً منها فهذا لا يملك ما دلت عليه تلك الأوراق إلا بعد تسلمه وإفرازه له أما قبل ذلك فلا، ولا يصح أن يبيعه لآخر لأن غاية ما تدل عليه الورقة الأذن من واضعها أن يستلم من بيت مالها كذا وهذا لا يفيده ملك ما دلت عليه، هكذا يفهم من حاشية العلامة الشرقاوي في باب البيوع المنهي عنها والله أعلم) انتهى من الرسالة المسماة كشف غطاء تمويه الجواب لباجماح العمودي، ومنه يعلم الجواب عن مسألة السؤال بتفصيله كما مر.

ثم قال الشيخ عبد الله باجماح المذكور في تلك الرسالة عقب نقله أجوبة الشيخ محمد بن سعيد بابصيل المذكور ما ملخصه: (هذا وقد أنكر جماعة من أجلاء علماء الحرمين الشـريفين وغيرهما على الشيخ حسب الله والشيخ أحمد خطيب المنكاباوي عند ظهور تصـريحهما بجواز المعاملة بالأنواط بنقص أو زيادة كما سبق وتصـريحهما بعدم وجوب الزكاة فيها حيث لم يتجر فيها، فممن أنكر عليهما وحذر من الميل إلى ما جزما به من جواز المعاملة كما سبق العلامة الشهير صاحب التصانيف العديدة السيد أبوبكر شطا المكي وألَّف في الرد على من يجوز ذلك كما ذكر تأليفاً، ومنهم علامة وقته مفتي الشافعية الشيخ محمد بن سعيد بابصيل رحمه الله وقد مرت آنفاً أجوبته، وغيرهما ممن يطول تعداده من علماء السادة الشافعية والحنفية والمالكية بمكة المشـرفة المحمية وغيرها، ومنهم أستاذنا الإمام الداعي إلى الله الحبيب أحمد بن طه بن علوي السقاف باعلوي، فقد سئل وقت إقامته بالديار الجاويه بحضرتي في المعاملة بالأنواط هل هي جائزة بنقص أو زيادة أم لا؟ فأفتى بالحرمة وحكم على المتعامل بها كذلك بأنه مراب وشدّد غاية التشديد وحذر من الميل إلى ما فهمه الشيخ أحمد خطيب المنكاباوي بمكة من جواز المعاملة بها كذلك وغلطه فيما فهم من تلك المسألة، ولا يزال في وعظه في الجامع يحذر الناس من هذه وأمثالها، ومنهم العلامة الشيخ سالم بن عبد الله بن سمير الحضرمي وألف في ذلك تأليفاً جزاه الله خيراً عن المسلمين، ومنهم أستاذنا الجليل الداعي إلى الله الحبيب محمد بن شيخ المساوى باعلوي، ومنهم العلامة الأستاذ محمد بخيت قاضي ثغر الإسكندرية وأحد كبار علماء السادة الحنفية بالأزهر، ومنهم العلامة البحر الزاخر الشيخ سعيد الموجي أحد كبار علماء السادة الشافعية بالأزهر، ومنهم قدوة العلماء العاملين السيد أحمد بك شارح الأم للإمام الشافعي، وقد سبق النقل عنه، وألف في ذلك كتاباً عظيم النفع خاصاً فيما يتعلق بالأنواط ومصطلحات الحكومات عليها سماه (بهجة المشتاق في بيان حكم زكاة أموال الأوراق) أتى فيه بالعجب العجاب بحيث لم يبق لذي إنصاف أدنى ارتياب في حرمة التعامل بالأنواط كما ذكر فجزاه الله عن المسلمين خيراً، وغير هؤلاء من العلماء الأعلام ممن يطول تعدادهم، فهؤلاء الذين ذكرناهم وغيرهم ما عدا الشيخ الأنبابي ومن تبعه في مفهومه في هذه المسألة رضوان الله تعالى على الجميع كل من سئل منهم عن المعاملة بأوراق النوط كما ذكر أجاب بأن المعاملة بالأنواط بنقص أو زيادة ربا صريح لا يجوز لمؤمن بالله وبرسول الله أن يعامل بها كذلك، وكل من أطلع منهم على ما قاله الشيخ حسب الله والشيخ أحمد خطيب المنكاباوي والشيخ محمد الأنبابي حذر غاية التحذير من الإصغاء إلى ما ذهبوا إليه في تلك المسألة؛ لأنه تبين خطؤه لأن قياسهم لأوراق النوط بأنها كعروض التجارة تجب الزكاة في قيمتها قياس مع الفارق، فلا يجوز لأحد الأخذ به)، إلى آخر ما أطال به جزاه الله خيراً والله أعلم بالصواب. وكتبه الحقير محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم عفا الله عنه آمين ولطف به آمين في 28 جماد الأولى 1363هـ.

الحمد لله، الجواب سديد ولا عليه مزيد وفيما نقله المجيب أيده الله عن الأئمة والعلماء من الأدلة والنصوص كفاية لمريد الحق ومبتغيه وقد صرح في باب القسمة من التحفة بأن الربا إنما يتصور جريانه في العقد دون غيره والله أعلم بالصواب. وكتبه الحقير سالم سعيد بكيّر سامحه الله.

[1]))   حواشي التحفة (4/216) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.

[2]))   حاشية الباجوري (1/257) ط البابي الحلبي.

[3]))   حاشية البجيرمي على شرح المنهج (2/189) ط الحلبي.

[4]))   فتاوى الرملي بهامش الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر (2/119) ط البابي الحلبي.

[5]))   حاشية السقاف على فتح المعين (صـ213) ط ومؤسسة دار العلوم.