الزكاة في حلي المرأة

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

 ما قول العلماء نفع الله بهم المسلمين في عدم وجوب الزكاة في حلي النساء المتخذ من الذهب والفضة مع كونه قد كثر حلي الذهب خاصة وتعددت أفراده بأشكال مختلفة في كل بلد من البلدان بحسب رغبة أهلها وميلهم إلى أي شكل ونوع من أنواع الحلي من الذهب كما كثرت لديهم الأموال وتيسرت عند الغالب من الناس أسباب المعاش لتعاطيهم الأسفار للأرباح وزيادة الأموال فقد يكون  تحت  تصرف المرأة الواحدة من حلي الذهب ما يبلغ ثمنه ثمانية أو عشرة ألف شلن أو  أكثر أو أقل من الذهب خاصة كل من الناس على قدر استطاعته ووسعه لا بقصد الكنز بل للبسه أو التزين به واستعماله في الأعياد وأيام الأعراس ومجامع الأفراح لأنفسهم ولمن يحتاج إلى إعارته من النساء من خاص أو عام لا يمنعونه ممن طلبه من غيرهم فهل لقلته وكثرته حد ومقدار في وجوب الزكاة وعدم وجوبها في هذه الأزمنة مع رغبة الخاص والعام في الاستعداد بما يقدر عليه من ذلك الحلي لنسائه من الأغنياء وغير الأغنياء فإن قلتم أيها العلماء بوجوب الزكاة في شيء منه لشق ذلك عليهم وضاق الأمر عندهم ولم يقدروا على القيام بواجب الزكاة في ذلك لنيتهم وإضمارهم في أنفسهم أن اتخاذه لقصد الاستعمال والتزين لنسائهم ولمن يحتاج إليه على سبيل العارية كما ذكر آنفا  في أول هذا السؤال؟ أفتونا بإيضاح وبيان شافي لأن المسألة واقعة حال في غالب الجهات وتحتاج إلى توضيح يزيل الإشكال لازلتم نفعا وذخراً للمسلمين.

(الجواب) الحمد لله ونسأله التوفيق للصواب: متى كان الحلي المذكور معداً لاستعمال النساء كما ذكر السائل وليس فيه أدنى سرف فلا زكاة فيه وإن تعددت أنواعه وغلا ثمنه، قالوا (لأن زكاة الذهب والفضة تناط بالاستغناء عن الانتفاع بهما لا بجوهرهما إذ لا غرض في ذاتهما فلا زكاة في الحلي لحاجة الانتفاع بالعين ولأنه معد لاستعمال مباح كعوامل الماشية وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((أنه كان يحلي بناته وجواريه بالذهب ولا يخرج زكاته))([1]) وصح نحوه عن عائشة وغيرها ، وما ورد مما ظاهره يخالف ذلك فأجابوا عنه بأن الحلي كان محرماً أول الإسلام ، أو بأن فيه إسرافاً)([2]) انتهى كما أفاده شيخ الإسلام زكريا في الأسنى.

وعبارة التحفة للعلامة ابن حجر مع المنهاج ملخصاً: (ويزكى المحرم من النقد من حلي وغيره وكذا المكروه، لا المباح في الأظهر لأنه معد لاستعمال مباح فأشبه أمتعة الدار والأحاديث المقتضية لوجوب الزكاة وحرمة الاستعمال حتى على النساء حملها البيهقي وغيره على أن الحلي كان محرماً أول الإسلام على النساء، على أنها في أفراد خاصة فيحتمل أن ذلك لإسراف فيها بل هو ظاهر من سياق بعض الأحاديث)([3]) ثم قال ما ملخصه: (ولها (أي للمرأة) لبس أنواع حلي الذهب والفضة كطوق وخاتم وسوار وخلخال ونعل ودراهم ودنانير معراة أي لها عرى تجعل في القلادة قطعاً أو مثقوبة على الأصح في المجموع لدخولها في اسم الحلي) إلى أن قال: (والأصح تحريم المبالغة في السرف في كل ما أبيح مما مر كخلخال وزنه أي مجموع فردتيه مائتا دينار أي مثقال وحيث وجد السرف الآتي وجبت زكاة جميعه لا قدر السرف فقط) إلى أن قال: (أن المدار على الوزن دون النفاسة وذلك لانتفاء الزينة عنه المجوزة لهن التحلي بل ينفر الطبع منه كذا قالوه وبه يعلم ضابط السرف) ثم قال: (هذا كله إنما هو بالنسبة لحل لبسه وحرمته، أما الزكاة فتجب بأدنى سرف لأنه إن لم يحرم كره، ومر وجوبها في المكروه)  انتهى.

قال عبد الحميد في حاشيته: (قوله (لانتفاء الزينة ..إلى آخره) يؤخذ من هذا إباحة ما يتخذه النساء في زمننا من عصائب الذهب والتراكيب وإن كثر ذهبها لأن النفس لا تنفر منها بل هي في نهاية الزينة. نهاية ومغني. زاد ابن قاسم بخلاف نحو الخلخال إذا كبر لأن النفس تنفر منه حينئذ. انتهى الر ملي)([4]) انتهى، وعبارة شيخ الإسلام في الأسنى: (لا إن أسرفن في شيء مما ذكر كخلخال وزنه مائتا مثقال، لأن المقتضي لإباحة الحلي لهن هو التزين للرجال المحرك للشهوة الداعي لكثرة النسل ولا زينة في مثل ذلك بل تنفر منه النفس لاستبشاعه، وقيد في المنهاج كأصله والمجموع التحريم بالمبالغة، قال ابن العماد وهو المتجه لأن ما أبيح أصله لا يمنع من إباحته قليل السرف بدليل الإسراف اليسير في النفقة والزيادة على الشبع ما لم ينته إلى الإضرار  بالبدن، لكن متى وجد أدنى سرف وجبت الزكاة وإن لم يحرم لبسه لأن السرف وإن لم يحرم كره، والحلي المكروه تجب فيه الزكاة)([5]) انتهى، قال العلامة الشيخ علي الشبراملسي في حاشيته على النهاية: (والمراد بالسرف في حق المرأة أن تفعله على مقدار لا يعد مثله زينة كما أشعر به قوله السابق بل تنفر منه النفس ..إلى آخره، وعليه فلا فرق فيه بين الفقراء والأغنياء)([6]) انتهى، ومن هذه العبائر يعلم صحة ما ذكرنا من عدم وجوب الزكاة في الحلي المباح وإن تعددت أنواعه وغلا ثمنه ما لم يعد إسرافا وإلا فتجب الزكاة في الجميع بأدنى سرف، وقد عرف ضابط السـرف مما مر عن التحفة وغيرهاوالله أعلم وكتبه محمد بن سالم بن حفيظ بن الشيخ أبي بكر بن سالم عفا الله عنه في 8/12/1388هـ.

الحمد لله عدم وجوب الزكاة في الحلي المباح هو القول الأظهر من مذهب إمامنا الشافعي رضي الله عنه وقال بعض الأئمة كالإمام أحمد وبعض الصحابة بوجوبها في الحلي مطلقا وما ذكره سيدي العلامة في جوابه المفصل على السؤال صحيح كما تصرح به تلك العبارات التي نقلها والله أعلم كتبه فضل بن عبدالرحمن بن محمد بافضل في 9/12/1388هـ.


([1])   أخرجه الإمام مالك في الموطأ برقم: (858و 859)، كتاب الزكاة باب ما لا زكاة فيه من الحلي والتبر والعنبر.

([2])   انظر: اسنى المطالب شرح روض الطالب (1/377 – 378) ط دار الكتاب الاسلامي.

([3])   انظر: حواشي التحفة (3/270 و 271) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.

([4])   انظر: حواشي التحفة (3/270ـ 281) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.

([5])   انظر: أسنى المطالب شرح روض الطالب (1/380) ط دار الكتاب الاسلامي.

([6])   انظر: نهاية المحتاج وحواشيها (3/95) ط البابي الحلبي.