العبرة في سقي النخل لإخراج الزكاة

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

     مسألة هل العبرة في سقي النخل في إخراج الزكاة من حال الإطلاع إلى الجذاذ فيجب عليه نصف العشر إن سقاه في المدة المذكورة والعشر كله إن لم يسقه فيها أو يعتبر ما قبل الإطلاع أيضاً لأن له تأثيراً ودخلاً فيه؟ وهل يجوز للقاضي إخراج زكاة مال الغائبين أم لا لاحتمال وجود مسقط لها عنهم من أداء أو انتقال ملك أو غير ذلك؟

الحمد لله، (الجواب) ونسأله تعالى التوفيق للصواب: أنهم نصوا على أن المدة المعتبرة للتقسيط فيما سقي بمؤنة وبغير مؤنة في النخل من يوم الإطلاع إلى الإدراك كما أنها في الزرع من يوم الزرع وفي الكرم من ظهور العنب إلى الإدراك أيضا فإذا كان التقسيط فيما سقي بكلا النوعين معتبراً بما ذكر فالعبرة في مسألتنا تكون بالإطلاع أيضاً فإذا سقي النخل من يوم الإطلاع إلى الإدراك بمؤنة فقط فالواجب فيه نصف العشر، وإن سقي بغير مؤنة في المدة المذكورة فواجبه العشر، وإن سقي بهما فيقسط، ولم يعتبروا ما قبل الإطلاع كما لم يعتبروا عدد السقيات لأن المقصود بالسقي إنما هو الثمر أو الزرع فاعتبروا مدة عيشهما ونمائهما من غير نظر إلى مجرد الأنفع، ففي التحفة مع المنهاج: ( (والأظهر) أنه (يقسط باعتبار عيش الزرع) أو الثمر (ونمائه) لأنه المقصود بالسقي فاعتبرت مدته من غير نظر إلى مجرد الأنفع فتعبيره بالنماء المراد به مدته وجد أو لا)([1]) انتهى, وفي الإقناع للخطيب الشربيني: (وفيما سقي بالنوعين كالنضح والمطر يقسط باعتبار مدة عيش الثمر والزرع ونمائهما لا بأكثرهما ولا بعدد السقيات فلو كانت المدة من يوم الزرع مثلا إلى يوم الإدراك ثمانية أشهر واحتاج في أربعة منها إلى سقية فسقي بالمطر وفي الأربعة الأخرى إلى سقيتين فسقي بالنضح وجب ثلاثة أرباع العشر)([2]) انتهى، قال البجيرمي في حاشيته عليه: (قوله (من يوم الزرع مثلاً) أي يوم الإطلاع في النخل أو ظهور العنب في الكرم. الأطفيحي)([3]) انتهى، ومثله في حاشية الجمل على فتح الوهاب، وعبارة فتح العلام: (فيقسط الواجب باعتبار مدة عيش الزرع أو الثمر ونمائه فلو كانت المدة من يوم الزرع إلى يوم الإطلاع أو ظهور العنب إلى الإدراك ثمانية أشهر واحتاج في أربعة منها إلى سقية فسقي بالمطر وفي الأربعة الأخرى إلى السقيتين فسقي بالنضح وجب ثلاثة أرباع العشر)([4]) انتهى.

وقول السائل (وهل يجوز للقاضي إخراج زكاة مال الغائبين ..إلخ) جوابه: أن الذي انحط عليه كلام ابن حجر في التحفة واستوجهه في الإيعاب عدم الجواز؛ لأن الزكاة إنما يجب إخراجها بالتمكن وتمكن الغائب مشكوك فيه، ففي التحفة بعد قول المتن (وتجب في الحال عن الغائب) ما نصه: (وقضية قوله في الحال وجوب إخراجها فورا وهو ظاهر إن كان المال بمحل لامستحق به وبلد المالك أقرب البلاد إليه أو أذن له الإمام في النقل([5]) وأما في غير ذلك فيظهر أنه يلزمه التوكيل فورا لمن يخرجها ببلد المال ولا يتكل على أخذ القاضي أو الساعي لها من المال لأنه يمتنع على القاضي إخراج زكاة الغائبين على ما يأتي وبه رد الغزي قول الأذرعي أنه يأخذها) انتهى، قال ابن قاسم: (في حاشيته اقتصر الرملي في شرحه على ماذكره الأذرعي)([6]) انتهى، وقال أيضاً في موضع آخر من التحفة أيضاً: (ووقع للأسنوي وغيره أن للقاضي -أي إن لم تفوض هي لغيره وإلا لم يكن له نظر فيها- إخراجها عن غائب، ورد بأنها إنما تجب بالتمكن وتمكن الغائب مشكوك فيه، ومن ثم جزم جمع بمنع إخراجه لها قيل والأول ظاهر ويكون تمكن القاضي كتمكن المالك ويمكن حمل الثاني على من علم عدم تمكنه ولم يمض زمن يتمكن فيه بعد([7]) انتهى، ويرد بأن للقاضي نقلها (قال عبدالحميد: (قوله (ويرد) أي ما قيل) فيحتمل أنه استأذن قاضيا آخر فيه كما يأتي وزعم أن تمكنه كتمكن المالك ليس في محله؛ لأن الوجوب إنما يتعلق بتمكن المالك لا غير ونيابته عنه إنما هي بعد الوجوب عليه، وحينئذ فلا فائدة للحمل المذكور لأن الملحظ الشك في الوجوب وما دام غائباً الشك موجود وبهذا يندفع اعتماد جمع الأول وتوجيه بعضهم له بأن الأصل عدم المانع ووجه اندفاعه (أي توجيه البعض) لأن هذا الأصل لا يكفي في ذلك (أي في جواز إخراج القاضي الزكاة عن الغائب عبدالحميد) لأن النيابه عن المالك على خلاف الأصل فلا بد من تحقق سببها ولم يوجد مع احتمال أنه استأذن قاضياً آخر في نقلها أو إخراجها أو قلد من يراه)([8]) انتهت عبارة التحفة، وفي حاشية الشيخ محمد محفوظ الترمسي على شرح بافضل بعد أن ذكر عن الأذرعي أن للقاضي إخراج زكاة الغائبين وتعليله بأنه إذا ثبت عليه دين وفاه القاضي من مالهم والزكاة أولى من دين الآدميين لأنها مقدمة عليه عند التزاحم قال: (لكن جزم الغزي بأن القاضي لا يخرج زكاة مال الغائبين لأن شرط وجوب الإخراج التمكن منه وقد يكون الغائب عاجزا بعد الحول عن الوصول لماله وهذا الذي استوجهه في الإيعاب  قال ويفرق بينها وبين دين الآدمي بأنها تسقط بأسباب وتحتاج إلى نية من المالك بخلاف الدين فيهما وولاية القاضي على مال الغائبين ليست عامة لكمال مالكه وبه يفرق بينه وبين ولي المحجور تأمل)([9]) انتهى، إذا علم هذا ظهر لك منه ما ذكرنا من أن الذي انحط عليه كلام ابن حجر في التحفة واستوجهه في الإيعاب أنه لا يجوز للحاكم إخراج زكاة مال الغائبين وهو الذي اعتمده أيضا الشيخ زكريا في عماد الرضى([10]) كما نقله عنه صاحب القلائد أما الإمام الرملي في النهاية فإنه ذكر قول الأذرعي وهو جواز الإخراج واقتصر عليه كما في حاشية بن قاسم والله أعلم بالصواب. وكتبه الحقير محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم.

الحمد لله، الجواب صواب. وكتبه الفقير إلى الله سالم بن سعيد بكيّر

([1])   انظر: حواشي التحفة (3/253) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.

([2])   انظر: الإقناع (1/223) ط دار الفكر.

([3])   انظر: حاشية البجيرمي على الإقناع (2/341) ط دار الفكر.

([4])   انظر: فتح العلام  (3/288) ط دار ابن حزم.

([5])   في فتاوى الإمام عبد الله بن عمر بامخرمه الهجرانيه مسألة لها تعلق بما ذكرنا أعلا ونصها: هل يخرج الحاكم زكاة الغائبين قال الغزي لا وابن ظهيره والقماط وكنت أفتيت بمثلهما والآن ظهر لي أن نحو الغلة مما حدث بعد غيبة المالك يزكيه الحاكم وجوبا وما ما غاب. بعد وجوده وعلمه فإن أمكنت مراجعته وإلا لم يزك حتى يحضر أو يموت فيزكيه وارثه لأن الأصل بقاها انتهى مؤلف.

([6])   انظر: حواشي التحفة (3/334- 335) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.

([7])   انظر: حواشي التحفة (3/352) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.

([8])   انظر: حواشي التحفة (3/353) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.

([9])   انظر: حاشية الترمسي على المنهج القويم (5/317) ط دار المنهاج.

([10])   عبارته فليس للقاضي إخراج زكاة مال الغائب لعدم تحقق تمكنه انتهى مؤلف.