العمال وحرمة المسجد

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

ورد إلينا سؤال يقول فيه السائل: نحن مجموعة من العاملين في البناء في بعض الأوقات يصادف عملنا بناء مسجد من المساجد ويغلب على العاملين في البناء أنهم بينهم البين لا كلفة يتكلمون ويمزحون، لكن في بعض الأحيان الكلام ربما يكون فيه شيء من الغيبة أو شيء من النميمة، وتارة بعضنا يستعمل التنباك (السجائر)، وبعض الأوقات ربما الواحد يخرج منه شيء من الريح من بطنه فهل يجوز ذلك في المسجد علما بأن المسجد لا زال في طور البناء ولم تكمل عمارته بعد أفتونا ولكم من الله الأجر والثواب.

الجواب وبالله التوفيق: يقول الله تبارك وتعالى {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ } فالمساجد بيوت الله في أرضه لا تصلح إلا لما ذَكَرَ الله تعالى، وقد أمر صلى الله عليه وسلم[1] بتنظيفها وتبخيرها, ونهى[2] أن يدخل إليها آكل كل ذي ريح كريه لمن يظهر منه ذلك الريح ولوكان المسجد خاليا احتراما له وللملائكة التي تتأذى بذلك, وجزم ابن المنذر بأن النهي للتحريم، قيل: واقتضاه قول شرح مسلم؛[3] لأن ظواهر الأحاديث تقتضي حرمة ذلك.

أما الدخان ـ السجائر  ـ فقد قال كثير من العلماء بحرمته[4]، كما أنه تحرم الغيبة والنميمة مطلقا، ويتغلظ  الحكم في ذلك وفي كل ما نهى عنه الشارع في المساجد, ولا يخفى ما في ذلك من امتهان بيوت الله التي لا ينبغي أن يتعامل معها إلا بالتكريم والتعظيم. 

ويجوز للإمام أو نائبه منع أولئك من دخول المسجد[5],  قال في بغية الناشد في أحكام المساجد[6] للإمام عبدالله بن حسين بلفقيه: “ويكره دخوله لمن تغير فمه بأكل نحو ثوم مما له رائحة كريهة لورود النهي عن ذلك وظواهر الأحاديث تقتضي حرمة دخول آكل ذلك به لغير ضرورة وجزم به ابن المنذر, قيل: واقتضاه قول شرح مسلم, وظواهر الأحاديث تقتضي أن المسجد الخالي كغيره احتراما له وللملائكة؛ فإن الملائكة تتأذي مما يتأذى منه بنو آدم كما في الحديث, ويمنع من المسجد كل ذي ريح كريه في بدنه أو ملبوسه ومن به بخر أو صنان مستحكم وكذا نحو الأبرص والأجذم، ويكره إدخاله نحو بصل بلا حاجة كخوف ضياع ” اهـ. 

وأما إخراج الريح من البطن فالأولى اجتنابه لقوله صلى الله عليه وسلم[7]: (فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنوا آدم), بل قال بعضهم : ينبغي أن يحرم إن كان لغير حاجة, وحديث مسلم[8]في النهي عن دخول آكل الثوم والبصل إلى المسجد يدل على ذلك. 

والخلاصة: أن المساجد التي يتم بناؤها لا تخلو من أن تكون مساجد يعاد بناؤها من جديد أو مساجد تبنى في أرض موات فبالنية تصير مسجدا أو مكانا مملوكا يهيأ لأن يصير مسجدا فينبغي أن تحترم وتصان عن مالا يليق بها من الأعمال المحرمة أو المكروهة.. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.


[1] انظر ((سنن ابن ماجة)) (758).

[2] انظر ((صحيح مسلم)) (564).

[3] سيأتي تخريجه.

[4] انظر ((بغية المسترشدين)) للعلامة عبدالرحمن المشهور (صـ:552ـ553)، وانظر ((حاشية الجمل)) (1/170).

[5] انظر ((تحفة المحتاج)) للعلامة ابن حجر (2/152).

[6] ((بغية الناشد)) (ًصـ:417).

[7] ((صحيح مسلم)) (564).

[8] ((صحيح مسلم)) (564) بلفظ ((من أكل ثوما أو بصلا، فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته)).