باع داره عهده ثم عهده المشتري على شخص فمات المعهد الأول

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

 بسم الله الرحمن الرحيم ما قولكم فيمن باع داره عهدة على شخص ثم عهده المشتري المذكور على شخص آخر فمات المعهد الأول عن زوجة وأخوين شقيقين، ثم فسخ المتعهد الثاني البيع في الدار المذكورة على ورثة المعهد الأول وابتاعه منهم بعد ذلك قطعاً فهل يصح هذا الفسخ والتمليك أو لا؟ وإذا قلتم بعدم الصحة فهل إذا أسقط الورثة المذكورون له وعد العهدة في الدار المذكورة يملكها قطعاً وينقطع حق الوعد ويكون ذلك طريقاً في ملكه الدار المذكورة قطعاً أو لا؟

الحمد لله، ونستمد منه التوفيق للصواب (الجواب): لا يخفى أن العلماء القائلين بالعهدة لا يزالون مختلفين ويقولون: (وبالجملة فمسألة العهدة لا تزال مظلمة وتفاريعها مشكلة)، ومسألة السؤال مما اختلف فيه غير أن الخلاف قد يكون واهياً وقد يكون قوياً وواقعة السؤال من الطرف الأول كما ستعرفه، إذا فهمت هذا فاعلم أن الفسخ الواقع من المتعهد الثاني على ورثة المعهد الأول لا يصح إلا على ما نقل عن العلامة الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن العمودي القائل بأن الظاهر حصول الملك للمعهد الأول بفسخ المشتري الثاني، قال: (لأنه قائم مقام المشتري الأول نازل منزلته) انتهى، ولكنهم ردوه بأن الفسخ إنما يصح إيراده على عقد يجري بين المتفاسخين أو ورثتهما وفي مسألتنا لا عقد بين المتعهد الثاني وورثة المعهد الأول ولا بينه وبين مورثهما حتى يفسخ، وعلى هذا جرى جمهور العلماء القائلون بالعهدة كابن مزروع والشيخ عبدالله بن عمر بامخرمه والشيخ علي بن عبدالرحيم باكثير في شرح الزبدة وغيرهم، ففي شرح الزبدة المذكور ما صورته: (إذا باع المشتري ما اشتراه عهدة صح قالوا والمعهد الأول باق على حقه من الوعد وينزل المشتري منه منزلته في إعادة المبيع إلى البائع الأول بطريقه ولا يحصل ذلك بالفسخ منه على البائع الأول على ما يأتي، بل طريق ذلك أن يسلم البائع الأول مثل ثمنه إلى المشتري منه ويطالبه بالفسخ، وحينئذ يلزم المشتري الأول السعي في الفسخ من المشتري منه بتسليم الثمن الذي اشتراه به ثم يفسخه على البائع الأول، صرح بذلك العلامة عبدالله بن عمر مخرمه في فتاويه وهو ظاهر وقد سبقه إليه ابن مزروع وتبعه هو عليه وقال أنه الصواب، ولهذا جرينا عليه في النظم، ثم نقل عن القلائد ما قاله العلامة عبدالله بلحاج وابنه الفقيه أحمد من تخيير البائع الأول بين نقض البيع كما في الشفعة ويأخذ بالبيع الأول وبين أن يأخذ بالثاني، ثم قال -أي صاحب القلائد-: وفي أخذه بالثاني نظر؛ لأنه فسخ عقد على غير بائعه، ولذلك لو اشترى معيباً وباعه فليس لمشتريه منه رده على البائع الأول وإن كان قد دلس به على المشتري الأول، وبمنع ذلك أفتى الفقيه عبدالرحمن بن مزروع، قال: ولأن حق العهدة إنما وقع بالتزام المتعهد الفسخ بينه وبين بائعه لا غير وهو الذي أعتقده، وعلى هذا يتعين الأخذ بالأول ويجب القطع به حيث لم يشرط في البيع الثاني حق العهدة انتهى، وعلى منع الأخذ بالثاني جرى أبو زرعة في متن رسالته، وقال في شرحها إنه حقيق بالاعتماد والله أعلم) انتهى، وفي شرح الزبدة أيضاً من موضع آخر بعد هذا ما صورته: (إذا باع المتعهد المعهّد إلى ثالث ففسخ الثالث على البائع الأول اختلف في ذلك المتكلمون في المسألة فقال ابن مزروع لا يحصل للمعهد الأول بفسخ المشتري الثاني عليه بخلاف فسخ الوارث فإن الوارث خليفة مورثه قائم مقامه قال العلامة عبدالله بن عمر مخرمة وذلك لأن الفسخ إنما يصح إيراده على عقد يجري بين المتفاسخين أو ورثتهما كما صرح به الأصحاب) انتهى، ثم قال: (والكلام هنا في أن يقول المشتري الثاني للبائع الأول فسخت عليك ملكي في الشيء الفلاني فيقبل، فهذا هو الممنوع على الراجح عند أهل العهدة فاعلمه) انتهى، إذا علمت هذا ظهر لك أن الراجح عدم صحة الفسخ المذكور وإذا لم يصح الفسخ فالتمليك الصادر من الورثة المذكورين باطل أيضا وذلك لعدم ملكهم الدار حال صدور التمليك.

وقول السائل (وإذا قلتم بعدم الصحة فهل إذا أسقط الورثة المذكورون له وعد العهدة في الدار المذكورة يملكها قطعا) جوابه: إن علماء العهدة اختلفوا أيضاً في صحة هذا الإسقاط كما تقدمت الإشارة إليه فقال العلامة عبدالله بن أحمد بازرعة في رسالته أنه غير معتبر وعلله بأن كل بائع ليس له علقة الوعد إلا على بائعه وخالفه في القلائد تبعاً لابن حسان وغيره فقالوا بصحة هذا الإسقاط وعليه جرى العلامة علي بن عبدالرحيم باكثير في متن الزبدة وشرحها، وفرق بين صحة الإسقاط من الأول على المشتري الثاني وبين عدم صحة الفسخ من المشتري الثاني على البائع الأول بأن الذي في الإسقاط إنما هو رفع الأثر المترتب على الأثر الثابت للبائع الأول على المشتري منه عند مطالبته توصلاً إلى حقه قال فليس وعداً على حقيقته ومن ثم ثبت على المشتري الثاني وإن لم يكن لبائعه عهدة عليه لكنه لا يطالب به إلا عند مطالبة الأول للبائع له بالفكاك، وإذا أسقط الوعد الأول على المشتري منه سقط عن المشتري الثاني كما يأتي فدل على أنه ليس وعداً حقيقة وإنما هو حق تابع للوعد وإن تسميته وعداً مجاز ومن ثم سماه ابن حسان حقاً لا وعداً فتأمل ذلك انتهى وفي متن الزبدة:

وصح أن يسقط وعداً أول
للمشتري الثاني على ذا العمل
والوعد للثاني إذا يشترط
باق على من باعه لا يسقط

وفي شرحها: قال في القلائد فلو باع المتعهد إلى آخر وصححنا البيع كما سبق فلكل بيع حكمه حتى لو أسقط المعهد الأول حق العهدة بقي للثاني كذا هو في القلائد وعزاه إلى ابن حسان ثم ذكر كلام الشيخ عبدالله بن أحمد بازرعة نقلاً عن شرح رسالته، وقال في شرح الزبدة أيضاً في مبحث ما يحصل به الفك: ( (مهمَّة) سئل العلامة سالم باصهي عما إذا قلنا بأن إسقاط الوعد على المشتري – أي الثاني – من المشتري (كذا في الأصل ولعله من البائع) صحيح كما قاله ابن حسان وغيره فهل يستقر ملك المسقط عليه (أي المشتري الثاني) أو يفكه المشتري الأول، فإن قلتم يفكه فهل يستقر له أو يرجع بفكه المشتري الثاني فإن قلتم يفكه من المشتري الأول فهل يجبر على التملك أو كيف تكون صورة رده إليه فإن بعض الفقهاء يقول أن للبائع الأول أن يفكه من المشتري الأول وإن كان قد اسقط الوعد على الثاني ولم يظهر له وجه، (فأجاب): بأن هذه المسألة من مشكلات مسائل العهدة والخائضون فيها عمدتهم كلام ابن حسان أي الآتي في مبحث الإسقاط، ومن قبلنا من فقهاء الجهة الموثوق بهم علماً وورعاً جروا على ما قاله ابن حسان، فهو المفتى به تقليداً لمن ذكره وتكلم فيه إلى أن قال: وقول السائل أن بعض الفقهاء يقول إن للبائع الأول أن يفكه من المشتري الأول أي بعد رجوعه إليه وإن كان قد أسقط الوعد على الثاني لا وجه له كما ذكره السائل أرشده الله تعالى؛ لأن علقته قد انقطعت ووعده الذي يستحقه قد أسقطه، فلم تبق له علقة وإنما هو بمثابة الأجنبي والله أعلم) انتهى المراد أي من فتوى باصهي، ثم قال: (وتقدم قول سائل الفقيه سالم: فإن قلتم يفكه أي المشتري الثاني بعد إعادته إليه بحكم عهدته من المشتري الأول فهل يجبر على التمليك أو كيف تكون صورة رده؟ فقال الفقيه سالم: ثم إن السائل أرشده الله أشكل عليه صورة الرد إلى المشتري الثاني فقال هل ينقله إليه بالفسخ وهو لم يلزمه الفسخ إلا على البائع الأول أو ينقله ببيع فإن امتنع فهل يجبره الحاكم على ذلك ويكون إكراها بحق؟ فقلت بعد كلام سبق: وبالجملة فالحاصل الذي أراه وأفتي به تقليداً لفقهاء الجهة أنه إن جرى فك المشتري الأول من المشتري الثاني بملك فيفسخ عليه إذ المعاقدة بينهما ظاهرة، أو جرى بفسخ فيجبره الحاكم على التمليك والحال ما ذكر وقاس الإجبار على التمليك هنا بإجبار المتعهد على تمليك بعض ورثة المعهد إذا امتنع من فكاك حصته) ثم قال: (قال الفقيه سالم المذكور وحيث قلنا أن للمشتري الأول أن يشتري من الثاني فليس فيه كثير جدوى إلا أن تكون له شروط خروف أو مواسم مثلا أو دراهم أكثر مما باعه فحينئذ لا يجبر إلا بعد استيفاء شرطه أو زائد دراهمه وإلا أجبر عند طلب المشتري الثاني لأنه بمثابة البائع والبائع قد انقضت علقته من هذا البيع، ومعلوم أنه متى طلب من له الوعد فكاك ماله ولم يكن شرط أنه يجبر على الفسخ وقد أفتى بنحو ما ذكره الإمام ابن حسان رحمه الله والإمام ابن مرزوع فقال في فتاويه كيف يكون الوعد لبعض الورثة دون بعض مع أن المال معهد فقال نعم أن يـتملك أحد الورثة المال من المتعهد أو ممن ملك من المتعهد وأسقط باقي الورثة وعد العهدة على ذلك المتملك بعد تملكه ثم بعد قبضه باعه ثانياً إلى المتعهد وشرط عليه وعد العهدة فيتصور الذي ملك منه ختصاصه بالوعد لهذه الطريقه) انتهى([1])، [مسقط على مشتركان كصورة سؤال ابن حسان وذلك لأنه أسقطه على مالكه انتهى]. ثم قال: (والحاصل أن هذه المسألة مهمة ومأخذها دقيق وعند تدقيق النظر فيها وملاحظة مداركها على قاعدة العهدة لا ينكر ذلك) انتهى، وكلام ابن حسان المشار إليه هو ما أجاب به عن سؤال صورته: ( (مسألة) عن رجل باع إلى آخر أرضا عهدة بمائة دينار ثم إن المشتري باع هذه الأرض إلى آخر بأقل من المائة عهدة ثم إن المشتري الثاني أعطى البائع الأول عشرة دنانير وقطع له الأرض المذكورة المبيعة ثم إن المشتري الأول قال للمشتري الثاني خذ ما سلمت إلي وافسخها عليّ فقال أنا قد استقطعت الأرض من الذي باعها إليك فهل يصح ذلك أم لا؟ الجواب: أن البيع على سبيل العهدة أمر مصطلحي قرره السلف من علماء الجهة لمسيس الحاجة إليه والأشبه به من الأحكام الشـرعية الشفعة للأخذ بالثمن قهراً فإذاً في مسألة السؤال على المشتري الثاني حقان حق البائع الأول وحق البائع الثاني فيجب على المشتري الثاني قبض ما أعطاه المشتري الأول ثم يفسخ عليه كأحد الشفيعين إذا عفا فللشفيع الآخر أخذ الجميع اهـ. وكتبه محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم عفا الله عنه آمين في 29 جماد الآخرة سنة 1371هـ.

[1]))   فتاوى ابن مزروع (صـ126) ط دارالفتح.