بيع الذهب بالتقسيط

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

ورد إلينا سؤال يقول فيه السائل:

ما قولُكُم حفظَكم اللهُ وسدَدَ خُطَاكُم في رجلٍ طلبتْ منْهُ أختُهُ أنْ يُعْطَيَها ذهباً ورِثَهُ مِنْ والدتِهِ على أنْ تُسَدِدَ لهُ قيمتَهُ بالتقسيطِ. وقدْ أخبرَتْهُ في البدءِ بأنَها مُعسِرَةٌ ولنْ تستطيعَ أنْ تدفعَ لهُ في كلِ شهرٍ إلا (عشرةَ آلافٍ) فقطْ وإنْ استطاعتْ مستقبلاُ أنْ تزيدَ في هذا المبلغِ فسوفَ تفعلُ، فوافقَ الأخُ على ذلكَ تقديراً لظروفِ أختِهِ، ومعَ مرورِ الشهورِ استمرتْ هذهِ الأختُ في دفعِ هذا المبلغِ الزهيدِ (العشرةِ الآلافِ) مِنْ غيرِ أنْ تزيدَ فيهِ خلالَ مدةٍ تُقارِبُ السنتينِ إلا ثلاثَ مرات دفعتْ (خمسةً وعشرين ألفا) ومرة (ستةَ عشر ألفاً) وخلالَ هذه المدةِ ارتفعتْ قيمةُ الذهبِ إلى ما يقاربُ الضِعْفَ، ومِنْ خلالِ مشاهدةِ الواقعِ تبينَ أنَها لمْ تكنْ هي وزوجُها في ضائقةٍ ماليةٍ بلْ أنَها وزوجَها كانا أفضلَ حالا مِنْ هذا الأخِ . وحينما رأى هذا الأخُ أنَ أُختَه لمْ تُسرِعْ في استيفاءِ دفعِ قيمةِ الذهبِ إلى أنِ ارتفعَ إلى ضِعفِ قيمتِهِ، طلبَ مِنْها أنْ تُرَجِعَ الذهبَ الذي أعطاها إياهُ أو أنْ تُعَوِضَهُ بما يُعادِلُ قيمةَ الذهبِ مِنَ المالِ (بعدَ ارتفاعِهِ) على أنْ يُدْفَعَ مرةً واحدةً مِنْ غيرِ تقسيطٍ، فهلْ هو محقٌ في فعلِهِ هذا  أمْ لا؟ وإذا رفضتْ هذه الأختُ إرجاعَ ذهبِ شَقِيقِها أو تعوَّضُه مالياً فما حُكْمُها؟ وهل بيعُ الذهبِ بالتقسيطِ جائزٌ شرعاً أمْ لا؟ وإنْ كانَ غيرَ جائزٍ فما الحلُ؟ وجزاكمُ اللهُ خيرَ الجزاءِ

الحمد لله .. الجواب وبالله التوفيق :

لا يجوزُ بيعُ الذهبِ بالتقسيطِ كما في صورة السؤالِ المذكورِ؛ لأنَ هذا مِنْ ربا النسيئةِ المَنهي عنْهُ شرعاً[1] فيكونُ البيعُ باطلاً لا تترتبُ عليهِ أثارُهُ؛ وبناء على ذلكَ يكونُ جميعُ الذهبِ الذي سَلّمَه الأخُ لأختِه لا يزالُ في مِلكِهِ؛ يُمْكُنُهُ أنْ يرجِعَ فيهِ في أي وقتٍ ما دامَ موجوداً كلَه أو بعضَه، فإنْ كانَ قدْ صُرِفَ كلُهُ أو بعضُهُ فيكونْ في ذِمَتِها لهُ مقدارُ ما أخذتْ مِنَ الذهبِ، كما تبقى جميعُ المبالِغِ التي أعطتْهُ إياهاَ على شكلِ أقساطٍ في مِلكِ الأختِ تَرْجِعُ فيها  متى شاءتْ، فإنْ صُرِفَتْ كلُها أو بعضُها كانتْ في ذِمَتِهِ لها، ومطالبةُ كل مِنْهما لحقِهِ عندَ الآخرِ مطالبةٌ شرعيةٌ، تُمَكِّنُ كلاً منهما من الوصول إلى حقه  باللجوءَ إلى الوسائلِ الشرعيةِ؛ كأن يُدَخّلا بينهما عُقَلاء بلدهم وأعيانَها للتقريبِ بينهما ليصلَ كلُ واحدٍ إلى ما يستَحِقُهُ بالطرقِ الشرعيةِ، فهذا الحكمُ الشرعيُ… 

ولكنْ الأولى في مثلِ هذهِ القضيةِ الصلحُ بطريقةٍ مِنَ الطرقِ المشروعةِ؛ لاسيما وأنَ في المسألةِ صلةُ رحمٍ؛ فَيُمْكِنُ أنْ يكونَ الصلحُ على ما ذكَرَهُ الأخُ في سؤالِه بأن تعطيه القيمةِ المتفق عليها بشيءٍ مِنَ الزيادةِ دفعةً واحدةَ ثم يُسامِحُ كلٌ مِنْهما الآخرَ وذلك على وجه الاستبدال في المجلس بشرط أن لا يفترقا إلا وقد تم الدفع كاملا، أو اختيارِ طريقةٍ أخرى مناسبةٍ وشرعيةٍ في نفسِ الوقتِ كأنْ يُسْقِطَ كلٌ مِنهما حقَهُ عندَ الآخرِ معَ الالتزامِ بالنذرِ مِنَ الأُختِ في إكمالِ الأقساطِ بالزيادةِ المتفقِ عليها. ومادامَ أنَ النيةَ حسنةٌ والكلُ يُرِيدُ أنْ يصلَ إلى حقِهِ معَ المحافظَةِ على الصلةِ سيوجدُ الحلُ، قال الله تعالى : (والصلحُ خيرٌ..). واللهُ أعلمُ.


[1] انظر ((تحفة المحتاج)) للعلامة ابن حجر (4/273).