بيع العهدة

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

        ما قولكم فيمن إذا أراد أن يبيع على آخر شيئاً عقاراً أو غيره يتواطئون قبل العقد بأن يقول البائع للمشتري شا أبيعك هذه الدار مثلاً بشـرط أن تقيلني ثلاث سنين أو يطلق الإقالة أي أنه إذا جاءه بمثل الثمن في الثلاث السنين أو مطلقاً يفسخ عليه البيع ثم بعد المواطاة المذكورة يبيعه الدار بيعاً صحيحاً من غير ذكر إقالة وبعد ذلك تارة في مجلس العقد وتارة بعد التفرق يقيل المشتري البائع إذا جاءه بمثل الثمن وتارة يقبل البائع الإقالة وتارة لا يقبل فهل والحال ما ذكر العقد صحيح أم باطل؟ وإذا قلتم بصحته فهل يلزم المشتري الوفاء بالوعد ويصوغ للحاكم إلزامه بذلك أو لا؟

بسم الله والحمد لله وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه، (الجواب) ونسألك اللهم هداية للصواب: أن مواطأة المتعاقدين قبل العقد على ما ذكره السائل من إقالة المشتري البائع إذا جاءه بمثل الثمن هي نفس المواطأة الواقعة قبل عقد بيع العهدة المشهور بل قد ذكر صاحب القلائد في غير موضع منها: (أن حقيقة بيع العهدة إقالة ألزموا بها فيبنى على أحكامها)([1])، وإذا علم هذا فيأتي في مسألة السائل ما ذكره العلماء في بيع العهدة وقد ذكروا أن الشرط المذكور إن ذكر في صلب العقد أو في مجلس الخيار قبل لزوم العقد أبطل العقد، وإن ذكر قبل صدور العقد لم يضر ووقع البيع صحيحاً باتفاقهم لخلوه عن الشـرط المفسد، وإنما اختلفوا والحالة هذه في لزوم الوفاء بالوعد، وقد حكى الخلاف سيدي العلامة عمر بن الإمام عبدالله بن عمر بن يحيى قال في أثناء جواب له عن مسألة بيع العهدة: (الحال الثالث أن يتواطأ البائعان على الفكاك أو على أن البيع على سبيل العهدة قبل العقد بأن تراضيا على أن البيع على سبيل العهدة وكتب الخط كذلك ثم بعد ذلك صار العقد من غير ذكر الفكاك في العقد ومجلسه بأن سكتا عنه إلى أن تفرقا عن مجلس العقد ففي هذه الحالة البيع صحيح باتفاق أئمتنا الشافعية وإنما جرى الخلاف بينهم في وجوب الوفاء بالوعد فجرى الشيخ زكريا والخطيب وابن حجر والرملي على عدم وجوب الوفاء بالوعد المذكور فالشرط عندهم لاغ والبيع صحيح ولا يلزم المشتري فسخه وعلى ذلك جمهور الشافعية وقرروا أن القول بلزوم الوفاء بالوعد شاذ خارج عن المذهب، وجرى كثير من علماء حضرموت على أنه يلزم المشتري الوفاء بوعده فعليه الفسخ فإن امتنع أجبره الحاكم وعليه العمل الآن) انتهى، وفي القلائد ما نصه: (واختار جمع كثير من أصحابنا المتأخرين والذين قبلهم ما ذكرناه من المواطأة قبل العقد وإلزام الوعد بمقتضى مذهب من أوجبه للضرورة في الحاجة للثمن مع قلة الراغب في المبيع إلا بغبن كثير فقصدوا التخلص منه بشرط أن له أن يفكه عند قدرته ومشوا على ذلك حتى ألزمت به الحكام ورتبوا عليه الأحكام وحقيقته أنه إقالة ألزموا بها فتبني على أحكامها المنصوصة)([2]) …إلى آخر ما ذكره، وفيها أيضاً: ( (مسألة) لابد في فسخ البيع بحكم العهدة من جريان فسخ من أحدهما وقبول من الآخر لما ذكرنا أنها إقالة ملتزمة بالشرط وليست ثابتة بأصل الشرع فإن غاب المتعهد أو امتنع قام الحاكم مقامه بعد علمه أو قيام البينة بحق العهدة مفصلة)([3]) انتهى، ومثله أو قريب منه في فتاوى بامخرمة.

وفي بغية المسترشدين لسيدي الحبيب عبدالرحمن المشهور رضي الله عنه ما مثاله: ( (مسألة بلفقيه) بيع العهدة المعروف صحيح جائز وتثبت به الحجة شرعاً وعرفاً على قول القائلين به وقد جرى عليه العمل في غالب جهات المسلمين من زمن قديم وحكمت بمقتضاه الحكام وأقره من يقول به من علماء الإسلام مع أنه ليس من مذهب الشافعي وإنما اختاره من اختاره ولفقه من مذاهب للضرورة الماسة إليه ومع ذلك فالاختلاف في صحته من أصله وفي التفريع عليه لا يخفى على من له إلمام بالفقه، وصورته: أن يتفق المتبايعان على أن البائع متى أراد رجوع المبيع إليه أتى بمثل الثمن المعقود عليه، وله أن يقيد الرجوع بمدة، فليس له الفك إلا بعد مضيها، ثم بعد المواطأة يعقدان عقداً صحيحاً بلا شرط إذ لو وقع شرط العهدة المذكور في صلب العقد أو بعده في زمن الخيار أفسده فليتنبه لذلك فإنه مما يغفل عنه)([4]) انتهى.

ومما سقناه من الأدلة يؤخذ الجواب عن واقعة السؤال وهو أنه إذا وقع عقد البيع صحيحاً ولم يذكر في صلبه ولا في مجلس العقد ذلك الشـرط وإنما تواطأ المتعاقدان عليه قبل صدور العقد فالبيع صحيح ويجري في لزوم الوفاء بالوعد الخلاف المار ذكره، وأما إن ذكر الشرط في صلب العقد أو في مجلس الخيار كما ذكر السائل أنه قد يقيله في مجلس العقد فالبيع حينئذ باطل؛ لفساد الشـرط الواقع فيه أو في مجلسه.

وقول السائل (وإذا قلتم بصحته فهل يلزم المشتري الوفاء بالوعد) ..الخ يعلم جوابه أيضاً: مما مر عن ابن يحيى وعن القلائد وعن بغية المسترشدين من أنه يلزمه الوفاء بالوعد على قول القائلين بالعهدة، ويسوغ للحاكم إلزامه بذلك بل إن غاب أو امتنع قام الحاكم مقامه في الفسخ كما مر عن القلائد، ولا يخفى أن البائع لو لم يشترط له المشتري هذا الشرط لما رضي أن يبيع ذلك المبيع بالقدر الذي سماه مع اشتراط الشرط, ولهذا قال الشيخ ابن حجر في فتاويه: (أن المشتري عهدة إذا لم يوف بالوعد المشـروط عليه قبل العقد يبقى عليه إثم الغش والغرور فإن البائع إن علم أنه لا يقيله – يعني لا يفي بوعد العهدة له– لم يبعه بذلك الثمن)([5]) انتهى، وقال باكثير في شرح الزبدة: (فمن حيث أنه يأثم بمنع الفسخ إثم الغاش كما ذكر يعلم أنه لا يجوز له الامتناع من الفسخ لا من حيث الوفاء بالوعد بل من حيث كونه غاشاً وتحريم الغش والخديعة تحريم مغلظ حتى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من غشنا فليس منا))([6])، وحينئذ فلو أكرهه الحاكم على الخروج من هذه المعصية فهل له ذلك إذا كان كل منهما يراه أو الفاعل فقط؟ لم أرَ من ذكره في هذا المحل، وكلامهم صريح في جواز الإنكار على متعاطي ما حرم إجماعاً أو عند المتعاطي، فيمكن أن يكون هذا داخلاً فيه فيكون حينئذ وجهاً ظاهراً للحكام في إلزام المشتري بالفسخ عند رد مثل الثمن إليه فليراجع والله أعلم)([7]) انتهى، نقل ذلك الشيخ الفقيه أبو بكر بن أحمد الخطيب في فتاويه والله أعلم. وكتبه الحقير محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم لطف الله به آمين.

الحمد لله، ما أجاب به الحبيب العلامة الفاضل صحيح مقرر فليعتمد والله أعلم بالصواب. وكتبه الفقير إلى الله سالم بن سعيد بكيّر سامحه الله.

[1]))   القلائد (1/320) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.

[2]))   القلائد (1/320) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.

[3]))   القلائد (1/325-326) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.

[4]))   بغية المسترشدين (صـ 133) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.

[5]))   الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر (2/69) ط البابي الحلبي.

[6]))   صحيح مسلم (1/58) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.

[7]))   الفتاوى النافعة (صـ 58) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.