تعذيب الحيوان

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

ورد إلينا سؤال يقول فيه السائل: 

يثير بعض الملاحدة كثيراً من الشبهات.. ومنها: وقوع المصائب على الحيوانات وهي غير مكلفة وعدم تعويضها في الآخرة. 

ولا يخفى على المسلم أنّ اللهَ لا يظلم خلقه شيئاً، فالظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وكذلك عقاب من لم يستحق العقاب؛ كتعذيب المطيع لله وإدخاله النار، ولا يدخل في ذلك ابتلاء الصالحين في الحياة الدنيا، فهذا في الحقيقة هو من إحسان الله لهم باعتبار العاقبة الحسنة من وراء امتحانهم، مع ما يدخره الله لهم من الأجور يوم القيامة. 

وقد قرر أهل العلم في مسألة مشابهة للمسألة المطروحة في هذا الموضوع بأن ما يصيب الأطفال من بلاء وضر في الدنيا هو من باب امتحان آبائهم، ومن باب التفضل على هؤلاء الأطفال في الآخرة بتعويضهم، ولا يخفى أيضاً أن ما يصيب الحيوانات من مصائب كأمراض وهلاك، ونحو ذلك، هو من باب امتحان أصحاب هذه البهائم.

لكن السؤال المُشكل هو: ما تأويل وقوع هذه المصائب على هذه البهائم؟  خاصة أنها في الآخرة لن تعوّض بشيء، بل ستكون تراباً ولن تدخل الجنة؟ 

ويبقى أيضاً سؤال آخر مرتبط بهذا الموضوع وهو: ما حقيقة الظلم الذي نفاه الله عن نفسه؟

الحمد لله.. الجواب وبالله التوفيق:

نسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياك والمسلمين حسن الفهم لخطاباته المقروءة والمنظورة؛ فإن الله عز وجل عليم حكيم، له في هذه الحياة حكم وأسرار، لا يمكن أن يظهرها لكل عباده، بل منها: ما اختص بعلمه. 

ومنها: ما يطلع عليه خواص عباده. 

ومنها: ما يكون عاما يشترك في معرفته الخاص والعام. 

وهذا من سمة وصفات الربوبية؛ ولا يحيط بذاته ولا صفاته ولا أفعاله من جميع الوجوه محيط، ولو صح ذلك لانتفت الربوبية التي يجب أن تستقل بالعلم والحكمة والحُكمِ، ولا يطّلع العباد إلا على ما شاء، كما قال الله تعالى:{یَعۡلَمُ مَا بَیۡنَ أَیۡدِیهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا یُحِیطُونَ بِشَیۡءࣲ مِّنۡ عِلۡمِهِۦۤ إِلَّا بِمَا شَاۤءَۚ}[البقرة: 255].

وقال تعالى:{ یَعۡلَمُ مَا بَیۡنَ أَیۡدِیهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا یُحِیطُونَ بِهِۦ عِلۡمࣰا }[طه: ١١٠].

ولقد ميز الله عز وجل عقل الإنسان خصوصا، والمكلفين عموما بخاصية الاهتداء إلى الإيمان بوجود الرب جل في علاه؛ من خلال الآثار وغيرها، وهذا ما صرحت به الآيات في مثل قول الله عز وجل: { أَفَلَا یَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَیۡفَ خُلِقَتۡ (١٧) وَإِلَى ٱلسَّمَاۤءِ كَیۡفَ رُفِعَتۡ (١٨) وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَیۡفَ نُصِبَتۡ (١٩) وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَیۡفَ سُطِحَتۡ (٢٠) فَذَكِّرۡ إِنَّمَاۤ أَنتَ مُذَكِّرࣱ (٢١) لَّسۡتَ عَلَیۡهِم بِمُصَیۡطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ (٢٣) فَیُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَكۡبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَیۡنَاۤ إِیَابَهُمۡ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَیۡنَا حِسَابَهُم (٢٦) }[الغاشية: 17- 26].

وقوله عز وجل: {قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ یُحَاوِرُهُۥۤ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِی خَلَقَكَ مِن تُرَابࣲ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةࣲ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلࣰا }[الكهف: 37]، وغير ذلك من الآيات الدالة على وجود الخالق وعظمته وقدرته.

 فإذا ثبت هذا فالمؤمن والمسلم يبحث عن الحِكم والأسرار التي تفتح له باب الإيمان واليقين حتى يصير لله أعبد وأطوع مترقيا في ذلك لا من باب محاكمة الرب، فقواعد العباد والمخلوقين -التي ينزلها بعضهم على بعض-لا يجوز تنزيلها على الخالق ولذا قال الله تعالى:{ لَا یُسۡـَٔلُ عَمَّا یَفۡعَلُ وَهُمۡ یُسۡـَٔلُونَ }الانبياء:23

وما ذُكر في السؤال عن خصوص مسألة ابتلاء الحيوانات أمر يكاد أن يكون من أوضح الواضحات، وذلك من عدة أوجه: 

أولاً: أنها ملك الله تعالى، وهو يفعل في ملكه ما يشاء. 

وبيان ذلك في المثال في الخلق-ولله المثل الأعلى- لو أن أحدا يمتلك إناء يضع فيه البارد وعكسه، والطيب وعكسه، وربما أجرى عليه تجارب أدت إلى إضعاف الإناء أو تلفه، فليس لآخر ليس له ملك في الإناء أن ينكر أو يعترض عليه؛ لأن المالك يتصرف في ملكه، فإذا أنكر عليه منكر قيل له: ما بالك تتدخل في شأنِ غيرك؟  

وهذا في عالم الحس والمثال، وفي الملك النسبي المجازي، فإذا صار الأمر إلى المالك الحقيقي وهو الله عز وجل، فمن هذا الذي يملك محاسبته والانتقاد عليه؟!.  

وينساب هذا الكلام إلى الكلام عن الحيوانات والابتلاءات الواقعة عليه، فهو يفعل في ملكه بحكمته وحكمه. 

والمعترض إما أنه ملحد لا يؤمن بالإله، فيقال له: الكلام معك أولا يكون في إثبات الألوهية؛ لأنك لا تعتقد أن هناك إلها يبتلي خلقه بما شاء كيف شاء.

وإن قلت: بل هناك إله هو الذي يبتلي خلقه، فأنت لست ملحدا بل تؤمن بالإله، وهنا يقال لك: لا تتناقض وقف عند حدك، واطلب أن تعرف الحكمة من باب الإيمان لا من باب المحاكمة، ثم متى نصبت نفسك تحاسب الإله على ما يفعل في ملكه!؟  وهذا بعض ما يُبين له. 

ثانيا: أن الحيوانات قد يكون لها قصاص في ما بينها البين في الدنيا، كما أن لها قصاصا كذلك في الآخرة، ولعل بعض الابتلاءات من هذا القبيل، وفي الحديث عند مسلم والترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء»[1].

ثالثا: أن هناك أسرار وأمور غامضات في سائر الكائنات، قد تدق وتخفى على اللبيب الفطن، فكيف بغيره؟

وفي هذا قِيل: 

قل للذي يدعي في العلم معرفة

عرفت شيئا وغابت عنك أشياء

وقالَ العارفون بالله تعالى: (رحم الله امْرَأً عرَفَ قدْرَ نفسه)[2].

وأما الظلم الذي نفاه الله تعالى عن نفسه؛ بمعنى: أن الله عز وجل لم يتصف به. 

ولكن متى يمكن أن يحكم على شيء أنه ظلم أو عدل؟  

فالجواب: أنه يمكن للمعايير التي بين أيدينا أن تكون بين المخلوقين، وأما الخالق البارئ فلا يمكن أن ترد عليه الأحكام، ولا أن يدخل تحت المعايير المصطلح عليها، لكنه بفضله رتب على نفسه أن لا يظلم أحدا من خلقه، كما قال في الحديث القدسي الذي رواه مسلم[3] «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا»، فإن هذا فضلا منه  وجودا و إحسانا إلى عباده، حيث لا يعاقب البريء على ما لم يفعل من السيئات، ولا يعاقب أحدا بذنب غيره، ولا ينقص المحسن شيئا من جزاء حسناته، ولا يحكم بين الناس إلا بالعدل والقسط. 

فيكون معنى تحريم الظلم على نفسه بمعنى: أنه جعل على نفسه أن لا يدع ظلما ظلمه شخص على أحد إلا اقتص له وأخذ له بحقه، أو حفز المظلوم للمغفرة والعفو. 

كما أنه يجب أن نفرق تفرقة واضحة من حيث النظر والفهم بين الجائز العقلي، والواقع الشرعي، فهذه مسألة قد يحصل بسبب اختلاطها ارتباك عند الناظرين إليها نظرة سطحية، فيحصل عندهم سوء في الفهم فيما هو موجود في الوجود، وما هو موعود من قبل الرب المعبود.

والذي ينظر إلى كثير من أحوال المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ومخالفتها لبديهة العقل في البداية، ورؤية أنها تجر لظلم غير مقبول، يعرف سرّا من أسرار الاصطفاءات الربانية، في الأفعال والأقوال والأحوال، التي دقت على كبار أرباب الفهم، كمثل حادثة صلح الحديبية التي لم يهتد إلى أسرارها ومآلاتها كبار الصحابة إلا  أفرادا، كمثل سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وغير ذلك من الأحوال المصطفوية لـما كانت عبارة عن اصطفاءات ربانية دقت وخفيت أسرارها على كثير من الصحابة، حتى استفسر عنها من استفسر، ووقف أمام هيبة الاصطفاء من وقف. 

ولعل هذه العجالة تنفع إن شاء الله في هذه المسألة، وما أحسن الالتجاء إلى الله عز وجل ليفتح للمؤمن أبواب الفهم عنه في أسراره في الكون والمخلوقات. 

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك، اللهم أفهمنا عنك، وبصرنا بك، وأقمنا بشهودك، وعرفنا الطريق إليك، وهونها علينا بفضلك، وألبسنا لباس التقوى منك، يا ذا الجلال والإكرام، في خير ولطف وعافية. 

والله تعالى أعلم.


[1]  ((صحيح مسلم)) (2582).

[2] انظر ((الرسالة القشيرية)) للإمام القشيري (1/281).

[3]  ((صحيح مسلم)) (2577).