حكم من مات وفي فمه أسنان من ذهب

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

 ما قول العلماء الأعلام فيمن مات وأسنانه من ذهب هل يجب قلعها لكونها مالاً؟ أم لا لكونها كالمستهلكة نظير ما إذا ابتلع جوهرة في حياته من ماله ثم مات ولم تخرج من أنه لا يشق جوفه؟ أو يفرق بين أن تكون ثابتة بحيث لا تخرج إلا بالقوة التي تؤدي إلى تعزير الميت وبين أن تكون مسترخية تخرج بتعب يسير, فإن قلتم يجب إخراجها في حالة فهل يجوز إبقاؤها إذا سمح الورثة بذلك وكانوا كمّلاً أو غير كمّل وضمن الكاملون منهم حصة القاصرين أم لا لكونه ضياع مال؟ فإن قلتم لا يجوز فهل يفرق بين أن يكون عنده دين لا تفي تركته به أم لا؟ وهبوا على كل حالة أن الميت دفن بأسنانه الذهبية قبل أن يعلم الحكم الشرعي فيها فهل للورثة أن ينبشوه بعد بلائه لأنهم سيتحصلون عليها بلا تعب وهل يجري الحكم هذا في الجوهرة  أما قبل بلائه فستقولون إن وجب القلع وجب النبش وإن تغير وإن لم يجب فلا يجوز وإن لم يتغير, وفي التحفة فيما إذا وقع في القبر مال وسامح مالكه أنه لا ينبش، فهل يجري في القلع إذا أوجبتموه وسامح الورثة الكمّل؟ أفيدونا.

بسم الله والحمد لله ونسأله الهداية للصواب بحق سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لم أجد نصاً صريحاً في هذه المسئلة بعينها, وأما قياسها على ما إذا ابتلع جوهرة في حياته من ماله فلا يظهر؛ لتعليلهم مسئلة الجوهرة بأنه استهلكها في حال حياته فصارت مستهلكة والأسنان الذهبية في مسألتنا لا تعد مستهلكة نعم يظهر  على سبيل البحث ما أشار إليه السائل من الفرق وعليه فيأتي هذا التفصيل وهو: عدم جواز قلعها حيث كانت ثابتة لا يمكن إخراجها إلا بقوة تؤدي إلى تعزير الميت وإيذائه لقولهم: ويحترم كهو حيٌ, ووجوب القلع مطلقاً حيث كانت مسترخية يمكن إخراجها بغير تعب أصلاً, ووجوبه أيضاً حيث أمكن إخراجها بتعب يمكن احتماله عادة إن لم يسمح الورثة بذلك, فإن سمحوا وكانوا كاملين أو غير كاملين وضمن أحد منهم أو من غيرهم حصة القاصر فلا يجب القلع حينئذ فيما يظهر, ولا يقال أن فيه إضاعة مال لأن محل حرمة إضاعة المال كما في التحفة([1]) حيث لا غرض أصلاً وهنا الغرض واضح وهو الاحتراس عن إيذاء الميت بأي أذى.

وقول السائل: (فإن قلتم لا يجوز فهل يفرق بين أن يكون عنده دين لا تفي تركته به أم لا) فجوابه: أن الذي يظهر أيضاً أن لا فرق في حالة عدم جواز القلع بين أن يكون عليه دين يستغرق التركة أو لا, غير أنه لا يعتبر سماح الورثة حيث اعتبر سماحهم مع كون التركة لا تفي بالدين إلا إن تحملوا للغرماء ما يساوي ما سمحوا به كما هو ظاهر.

وقوله: (وهل للورثة أن ينبشوه بعد بلائه) جوابه: نعم لهم ذلك كما في التحفة وغيرها.

وقوله: (وهل يجري الحكم هذا في الجوهرة) جوابه: أنه يجري ذلك فيها أيضاً.

وقوله: (وهل يجري في القلع إذا وجب وسامح الورثة ما في التحفة الى آخره) جوابه: أنه لم يظهر لنا مانع من إجراء ما في التحفة هنا لأن الكلام مفروض فيما إذا دفن بأسنانه الذهبية قبل أن يعلم الحكم الشـرعي فيها ولا فرق بين الأسنان وغيرها من المال.

هذا ما ظهر لنا، وإليك نقل الأدلة التي يؤخذ منها ذلك قال في التحفة عقب قول المتن: (ونبشه بعد دفنه للنقل وغيره حرام إلا لضـرورة بأن دفن بلا غسل أو في أرض أو ثوب مغصوبين أو وقع فيه أي القبر مال ما صورته: (ولو من التركة وإن قل وتغير الميت ما لم يسامح مالكه أيضاً، وتقييد المهذب بطلبه ردّه في شرحه بأنهم لم يوافقوه عليه, وفارق تقييدهم نبشه وشق جوفه لإخراج ما ابتلعه لغيره بالطلب فحينئذ يجب وإن غرم الورثة مثله أو قيمته من التركة أو من مالهم على المعتمد بأن الهتك والإيذاء والعار في هذا أشد وأفحش وأيضاً فكثير من ذوي المروءات يستبشعه فيسامح به أكثر من غيره, أما إذا ابتلع مال نفسه فلا ينبش قبره لإخراجه أي إلا بعد بلائه كما هو ظاهر)([2])انتهى، وفي المغني للخطيب ما يخالف بعض ما في التحفة، وعبارته: (أو وقع فيه أي القبر مال وإن قل كخاتم فيجب نبشه وإن تغير الميت لأن تركه فيه إضاعة مال وقيده في المهذب بطلب مالكه وهو الذي يظهر اعتماده قياساً على الكفن والفرق بأن الكفن ضروري للميت لا يجدي، وأما قوله في المجموع (ولم يوافقوه عليه): فقد رُدّ بموافقة صاحبي الانتصار والاستقصاء له, وقال الأذرعي: لم يبين المصنف أن الكلام هنا في وجوب النبش أو جوازه ويحتمل أن يحمل كلام المطلقين على الجواز وكلام المهذب على الوجوب عند الطلب فلا يكون مخالفاً لإطلاقهم)([3]) انتهى، ولو بلع مالاً لغيره وطلبه صاحبه كما في الروضة ولم يضمن مثله أو قيمته أحد من الورثة أو غيرهم كما في الروضة نبش وشق جوفه وأخرج منه وردّ لصاحبه، قال في المجموع: (والتقييد بعدم الضمان غريب والمشهور للأصحاب إطلاق الشق من غير تفصيل)([4]) انتهى، قال الزركشي: (وفيما قاله نظر، فقد حكى صاحب البحر الاستثناء عن الأصحاب وقال لا خلاف فيه وهذا هو الأوجه)([5]) انتهى، ووافق المغني في تقييد الشق بعدم الضمان النهاية والإيعاب كما في حاشية عبدالحميد، وفيها: (قال علي الشبراملس: قوله (ولم يضمن بدله ..إلى آخره) أي أما لو ضمنه أحد من الورثة أو غيرهم أو دفع لصاحب المال بدله حرم نبشه وشق جوفه لقيام بدله مقامه وصوناً للميت عن انتهاك حرمته) انتهى، وفيها أيضاً: (قوله (فلا ينبش ..إلى آخره) أي لاستهلاكه ماله في حال حياته مغني ونهاية قال علي الشبراملسي يؤخذ من هذا التعليل أنه لا يشق وإن كان عليه دين لإهلاكه قبل تعلق الغرماء به)([6]) انتهى. وكتبه الفقير إلى الله محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم عفا الله عنه بتاريخ 28/4/1366هـ.


([1])   انظر: حواشي التحفة (3/194) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.

([2])   انظر: حواشي التحفة (3/203 و 204) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.

([3])   انظر: مغني المحتاج (2/59) ط دار الكتب العلمية.

([4])   انظر: المجموع (5/301) ط دارالفكر.

([5])   انظر: أسنى المطالب شرح روض الطالب (1/332) ط دار الكتاب الإسلامي.

([6])   انظر: حواشي التحفة (3/204) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.