دخول النساء إلى المساجد

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

ما قولكم في دخول النساء إلى المساجد التي لا يعلم تخصيص الواقف وقفها على الرجال فهل لهن ذلك؟ فإن قلتم لا فمن المخاطب بمنعهن؟ وهل يمنعن مطلقاً أو عند خوف الفتنة؟ وما ضابط الفتنة؟

الحمد لله، (الجواب) سائلاً من الله التوفيق للصواب: ليس للنساء دخول المساجد عند خشية فتنة أو عدم إذن ولي أو زوج أو سيد أو هما في أمة متزوجة كما في التحفة والنهاية وغيرهما، وحيث حرم دخولها وجب على الإمام ونائبه منعهن من ذلك، بل وعلى كل من له قدرة على المنع إذا أمن على نفسه ونحو ماله لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما إذا لم تكن ثمَّ فتنة وأذن لها نحو الزوج فلها الدخول كما صرحوا به، والمراد بالفتنة كما سيأتي عن فتاوى ابن حجر: الزنا ومقدماته من النظر والخلوة واللمس وغير ذلك.

قال سيدنا العلامة عبد الله بن حسين بلفقيه في كتاب بغية الناشد في أحكام المساجد: ( (مهمة) تتعلق بهذا الفصل يجب على كافة الرجال منع النساء من الخروج إلى المساجد وغيرها في هذا الزمن المفتون لما في ذلك من وقوع المحذور المحقق فضلاً عن المظنون، ويحرم عليهم تمكينهن منه والتساهل في أمرهن)([1]انتهى، وفي التحفة من أثناء كلام: (ومن ثمَّ كره لها –  أي المرأة – حضور جماعة المسجد إن كانت تشتهى ولو في ثياب رثة أو لا تشتهى وبها شيء من الزينة أو الطيب وللإمام أو نائبه منعهن حينئذ كما أن له منع من أكل ذا ريح كريهٍ من دخول المسجد، ويحرم عليهن بغير إذن ولي أو حليل أو سيد أو هما في أمة متزوجة ومع خشية فتنة منها أو عليها وللآذن لها في الخروج حكمه)([2]) انتهى، ومثله في النهاية قال الشيخ علي الشبراملسي: (قوله (ومع خشية فتنه) عطفٌ على قوله (بغير إذن ولي) فلا يتوقف حرمة الحضور على عدم الإذن)([3]) انتهى، وقال ابن قاسم: (قوله (ومع خشية فتنه) ظاهره وإن لم يحصل ظن ذلك)([4]انتهى.

ثم قال الحبيب عبد الله بن حسين بلفقيه المذكور: (وقد أسهب وأطنب الشيخ خاتمة المحققين أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي في وجوب منع النساء من الخروج إلى المساجد وغيرها مع الاختلاط والنظر إلى الأجانب، فمن فتاويه نقلاً عن شرح مسلم: (أن قوله صلى الله عليه وسلم ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله))  هذا وشبهه من أحاديث الباب ظاهر في أنها لا تمنع من المسجد لكن بشـروط ذكرها العلماء مأخوذة من الأحاديث وهي أن لا تكون متطيبة ولا متزينة ولا ذات خلاخل يسمع صوتها ولا ثياب فاخرة ولا مختلطة بالرجال ولا شابة ونحوها ممن يفتتن بها وأن لا يكون بالطريق ما يخاف به مفسدة ونحوها)([5]) انتهى ما نقله من شرح مسلم، ثم قال: (فأفهم قوله (لكن بشـروط …) إلى آخره، أن هذه شروط لعدم المنع وأنه حيث فقد واحد منها منعت وحيث حرم الخروج وجب المنع ويؤيد المنع أيضاً قول عائشة رضي الله عنها: (لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل)([6])، ويؤيد ما استنبطته قول مالك رضي الله عنه: (يحدث للناس فتاوي بقدر ما أحدثوا من الفجور) وإنما نسبوا لمالك لأنه أول من قاله وإلا فغيره من الأئمة بعده يقولون بذلك كما لا يخفى من مذاهبهم، و إنما مراده رضي الله عنه ما أرادته عائشة مِن أن مَن أحدث أمراً تقتضي أصول الشريعة فيه غير ما اقتضته قبل حدوث ذلك الأمر يجدد له حكم آخر بحسب ما أحدثه لا بحسب ما كان قبل إحداثه، قال بعض المحققين وقولها ذلك بمنزلة الخبر لا من قول الصحابي المختلف في كونه حجة لأنها اطلعت منه صلى الله عليه وسلم على أنه إذا اطلع على ما أحدثت النساء لمنعهن. ثم قال بعد أن أطال في ذلك([7]): (ومما يؤيد ما قدمته من وجوب المنع بشرطه السابق واعتماد كلام عائشة رضي الله عنها قول الغزالي في الإحياء في الباب الثالث من المنكرات المألوفة: ويجب أن يضرب بين الرجال والنساء حائل يمنع من النظر فإن ذلك أيضاً مظنة الفساد ويجب منع النساء من حضور المساجد للصلاة ولمجالس العلم والذكر إذا خيفت الفتنة بهن فقد منعتهن عائشة رضي الله عنها فقيل لها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منعهن من الجماعات فقالت (لو علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدثن بعده لمنعهن) انتهى، وأطال إلى أن قال([8]): (ولا يتوقف في منعهن إلا غبي جاهل قليل البضاعة في معرفة أسرار الشريعة قد تمسك بظاهر دليل حملاً على ظاهره دون فهم معناه مع إهمالهم فهم عائشة ومن نحا نحوها ومع إهمال الآيات الدالة على تحريم إظهار الزينة وعلى وجوب غض البصـر فالصواب الجزم بالتحريم والفتوى به) انتهى المقصود من النقل مما أطال به الشيخ في فتاويه في هذا المبحث وله في زواجره ومقدمة مولده وفتاويه الحديثية الكلام الطويل العريض في ذلك)([9]) انتهى ما عن بغية الناشد.

ونقل ابن حجر في فتاويه أيضاً عن بعض المتأخرين كلاماً طويلاً يدور على تحريم خروجهن من البيت عند خشية فتنة قال في أثنائه: (والمراد بالفتنة الزنا ومقدماته من النظر والخلوة واللمس وغير ذلك)([10]) انتهى. ومنه يعلم الجواب عن جميع ما في السؤال والله أعلم بالصواب وكتبه الحقير محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم عفا الله عنه ولطف به آمين وحرر بتاريخ 23 ظفر الخير سنة 1362هـ.

الحمد لله فيما نقله المجيب من الأدلة كفاية للمستبصر وهداية للمتذكر وما يتذكر إلا من ينيب والله أعلم وكتبه الحقير سالم سعيد بكيّر.


([1])   انظر: بغية الناشد في أحكام المساجد (صـ402) ط دار الميراث النبوي.

([2])   انظر: حواشي التحفة (2/252) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.

([3])   انظر: نهاية المحتاج (2/136) ط البابي الحلبي.

([4])   انظر: حواشي التحفة (2/253) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.

([5])   انظر: الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر (1/200) ط البابي الحلبي.

([6])   أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها، كتاب الأذان باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس (1/172) الحديث رقم (869)، والحديث عند  مسلم كتاب الصلاة باب منع نساء بني إسرائيل المسجد (1/328) الحديث رقم (144).

([7])   انظر: الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر (1/201) ط البابي الحلبي.

([8])   انظر: الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر (1/204) ط البابي الحلبي.

([9])   انظر: بغية الناشد (صـ404ـ406) ط دار الميراث النبوي.

([10])   انظر: الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر (1/203) ط البابي الحلبي.