ضابط إدراك المأموم لإمامه

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

مسألة: لو كان المأموم بطيء الحركة مثلاً أو أطال السجود وقام في الحالين والإمام في القيام ولكنه لم يدرك من قيامه زمناً يسع الفاتحة بالنسبة للقراءة المعتدلة هل يعد مسبوقاً وتجري عليه أحكام المسبوق من سقوط الفاتحة كلها أو بعضها عند عدم إدراكه الركعة إن لم يطمئن مع الإمام في ركوعه ذلك أو لا؟ وما الحكم فيما لو شك هل أدرك من قيام الإمام ذلك الزمن أم لا؟

الحمد لله (الجواب) والله الموفق للصواب: نص الفقهاء نفع الله بهم على أن بطيء الحركة إذا قام ولم يدرك من قيام إمامه زمناً يسع قراءة الفاتحة بالنسبة للقراءة المعتدلة حكمه كالمسبوق لأن أحكام الموافق والمسبوق تأتي في كل الركعات وحينئذ فتجري في المأموم في صورة السؤال الذي هو بطيء الحركة إذا لم يدرك من قيام إمامه ذلك الزمن جميع أحكام المسبوق من تحمل الإمام عنه بعض الفاتحة إن أدركه قبل الركوع أو كلها إن أدركه راكعاً ووجوب اشتغاله حال وصوله إلى القيام بالفاتحة وعدم إدراكه الركعة إن لم يطمئن مع الإمام في ركوعه ذلك وغيرها، ففي التحفة بعد ذكره حكم الموافق وحده وتصريحه بأن أحكام الموافق والمسبوق تأتي في كل الركعات ما لفظه: (ألا ترى أن الساعي على ترتيب نفسه ونحوه كبطيء النهضة إذا فرغ من سعيه على ترتيب نفسه فإن أدرك مع الإمام زمناً يسع الفاتحة فموافق وإلا فمسبوق)([1]انتهى، ومثله في النهاية قال الشيخ علي الشبراملسي في حاشيته عليها: (قوله (وإلا فمسبوق) أي فيركع معه وتحسب له الركعة ومن ذلك ما يقع لكثير من الأئمة أنهم يسرعون القراءة فلا يمكن المأموم بعد قيامه من السجود قراءة الفاتحة بتمامها قبل ركوع الإمام فيركع معه وتحسب له الركعة ولو وقع له ذلك في جميع الركعات، فلو تخلف لإتمام الفاتحة حتى رفع الإمام رأسه من الركوع أو ركع معه ولم يطمئن قبل ارتفاعه عن أقل الركوع فاتته الركعة فيتبع الإمام فيما هو فيه ويأتي بركعة بعد سلام الإمام)([2]) انتهى، وبه يعلم صحة ما قدمناه في صدر الجواب.

وقول السائل (أو أطال السجود وقام) إلى قوله (أو لا) جوابه: أنه لا يخلو الحال من أحد أمرين: إطالته عمداً وإطالته سهواً فإن أطاله المأموم عامداً فالواجب عليه قراءة الفاتحة بكمالها ولا سبيل لسقوطها عنه وتبطل صلاته إن تخلف عن إمامه بركنين فعليين لأنه تخلف بغير عذر بخلاف من تخلف بنحو بطء القراءة حيث عذر إلى ثلاثة أركان طويلة لظهور عذره وممن صرح بعدم عذره فيما إذا أطال السجود عمداً الإمام عبد الله بن عمر بامخرمة في فتاويه العدنية والسيد محمد بن عبد الله الجرداني نقلاً عن العلامة أبي خضير خلافاً لما ذكره البجيرمي في حاشيته على الإقناع من أن إطالته عمداً كهي سهواً، وعبارة فتح العلام للسيد الجرداني: (السابعة من مسائل العذر ما أشرت لها بقولي (أو طوّل) أي المأموم السجدة الأخيرة أي عمداً أو سهواً كذا في البجيرمي على الخطيب وفي بشرى الكريم والجمزوري والكردي وترشيح المستفيدين ما يفيد تقييد ذلك بما إذا نسي الاقتداء، ثم ساق عبارة بشرى الكريم فعبارة الجمزوري ثم نقل عن العلامة أبي خضير في حاشية نهاية الأمل ما صورته: أما لو طول السجود عمداً فلا يتخلف للقراءة لأنه غير معذور ولا سبيل إلى سقوطها عنه وتبطل صلاته بتخلفه بركنين على قياس ما مر فتنبه)([3]) انتهى، أما إن أطال السجود ناسياً أنه في القدوة فتذكر وقام ولم يدرك من قيام الإمام زمناً يسع الفاتحة فهو كالمسبوق عند العلامة ابن حجر، ويعذر إلى ثلاثة أركان طويلة عند العلامة الرملي ففي إثمد العينين للشيخ علي باصبرين: ( (مسألة) لو نسي كونه مقتدياً وهو في سجوده مثلاً ثم ذكر فلم يقم عن سجدتيه إلا والإمام راكع فهو كمسبوق عند ابن حجر حكمه سقوط الفاتحة عنه خلافاً للرملي)([4]) انتهى، ومثله في بغية المسترشدين للحبيب عبد الرحمن المشهور رضي الله عنه وغيرها.

وقول السائل (وما الحكم فيما لو شك هل أدرك من قيام الإمام ذلك الزمن أو لا) جوابه والله أعلم: أن نقول في هذه المسألة ثلاثة آراء للمتأخرين:

أولها: أنه كالموافق فيتخلف لقراءة الفاتحة ويعذر إلى ثلاثة أركان طويلة وهذا هو الذي اعتمده الخطيب الشربيني والجمال الرملي وأفتى به والده، قال في النهاية معللاً لوجوب تخلفه لقراءة الفاتحة: (لأن الأصل وجوبها في كل ركعة حتى يتحقق مسقطها وعدم تحمل الإمام لشيء منها ولأن إدراك المسبوق الركعة رخصة فلا تحصل مع الشك في السبب المقتضي له ولأن التخلف لقراءتها أقرب إلى الاحتياط من ترك كمالها)([5]) انتهى. 

وثانيها: أنه كالمسبوق تجري فيه أحكامه وهو الذي اعتمده الإمام أبو مخرمة وفاقاً لابن كبّن:

ثالثها وهو الذي اعتمده العلامة ابن حجر في التحفة: أنه يلزمه الاحتياط فيتخلف لإتمام الفاتحة ولا يدرك الركعة إلا بالركوع مع الإمام فإن أتمها بعد رفع الإمام رأسه من الركوع لم يركع بل يوافقه في الهوي للسجود وفاتته الركعة فإن بقي عليه شيء منها وأراد الإمام الهوي للسجود لزمه نية المفارقة وإلا بطلت صلاته، وعبارة التحفة: (ولو شك أهو مسبوق أو موافق لزمه الاحتياط فيتخلف لإتمام الفاتحة ولا يدرك الركعة على الأوجه من تناقض فيه للمتأخرين لأنه تعارض في حقه أصلان عدم إدراكها وعدم تحمل الإمام عنه فألزمناه إتمامها رعاية للثاني وفاتته الركعة بعدم إدراك ركوعها رعاية للأول احتياطاً فيهما)([6]) انتهى. وقد نص على هذه الثلاثة الآراء سيدي الحبيب عبدالرحمن المشهور في بغية المسترشدين كما نص عليها أيضا العلامة الجرداني في فتح العلام ولا داعي للتطويل بنقل عباراتهم وليرجع إليها مريد الاستفادة إن شاء ففيها الغنية والكفاية والله أعلم بالصواب. وكتبه الحقير محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم عفا الله عنه ولطف به آمين.

الحمد لله الجواب صحيح معتبر ولدى الأئمة واضح مقرر وكتبه الفقير سالم بن سعيد بكيّرسامحه الله.


([1])   انظر: حواشي التحفة (2/348) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.

([2])   انظر: نهاية المحتاج (2/218) ط البابي الحلبي.

([3])   انظر: فتح العلام (2/35) ط العامرة الشرفية بمصر.

([4])   انظر: إثمد العينين بهامش بغية المسترشدين (صـ218) ط البابي الحلبي.

([5])   انظر: نهاية المحتاج (2/218) ط البابي الحلبي.

([6])   انظر: حواشي التحفة (2/348) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.