قراءة القرآن من المصحف في الصلاة

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

ورد إلينا سؤال يقول فيه السائل:

ما حكم القراءة من المصحف في الصلاة مع العلم أنه ممكن أن تحصل بعض الحركات بسبب فتح المصحف أو إغلاقه؟  وهل هناك فرق بين صلاة الفرض والنفل؟  نرجو بيان ذلك في المذاهب الأربعة، مع النقل من الكتب المعتبرة لديهم.

الحمد لله.. الجواب وبالله التوفيق:

 ذكر العلماء أن قراءة القرآن من المصحف في الصلاة جائزة، قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في كتابه شرح روض الطالب[1]: «.. أو قرأ في مصحف، ولو قلب أوراقه أحيانا لم تبطل – أي الصلاة – ؛ لأن ذلك يسير، أو غير متوال، لا يشعر بالإعراض، والقليل من الفعل الذي يبطل كثيره؛ إذا تعمده بلا حاجة مكروه» اهـ. وهذا هو مذهب الشافعية، والدليل على جوازه ما رواه ابن أبي داود[2] بإسناده عن عائشة رضي الله عنها: (أنها كانت يؤمها عبد لها في المصحف)، كما ذُكِرَ ذلك أيضاً في صحيح البخاري معلقا[3] , وروي ذلك[4] عن عدد من السلف كالحسن وعطاء وابن شهاب 

ومثل الشافعية الحنابلة في جواز القراءة من المصحف في صلاة النفل ، ففي «المغني» لابن قدامة[5]: «قال أحمد: لا بأس أن يصلي بالناس القيام وهو ينظر في المصحف، قيل له: في الفريضة؟  قال: لا، لم أسمع فيه شيئا. وقال القاضي: يكره في الفرض، ولا بأس به في التطوع إذا لم يحفظ..» اهـ.

 وقال الإمام مالك في المدونة[6]: «لا بأس بأن يؤم الإمام بالناس في المصحف، في رمضان، وفي النافلة، قال ابن القاسم: وكره ذلك في الفريضة، قال ابن وهب: قال ابن شهاب: كان خيارُنا يقرأون في المصاحف في رمضان، وذكروا أن غلام عائشة كان يؤمّها في المصحف في رمضان، وقال مالك والليث مثله» اهـ.

وفي الشرح الكبير[7] قال: « (و) كره (نظر بمصحف)، أي قراءته فيه (في فرض أو) في (أثناء نفل)؛ لكثرة الشغل بذلك، ( لا أوله ) فلا يكره؛ لأنه يغتفر في النفل ما لا يغتفر في الفرض» اهـ.

وفي مذهب الامام أبي حنيفة كراهة ذلك إلا فيما استثني، قال في مجمع الأنهر[8]: « وتفسدها قراءته من مصحف عند الإمام، قليلا أو كثيرا، كما في الجامع، وقيل: إن قرأ آية، وقيل: إن قرأ قدر الفاتحة؛ لأن حمل المصحف، ووضعه عند الركوع، ورفعه عند القيام، وتقليب أوراقه، عمل كثير، والتلقي من المصحف شبيه بالتلقي من المعلم، فعلى التعليل الأول تجوز الصلاة بالقرآن الموضوع على شيء، وعلى الثاني لا تجوز، وعندهما – أي صاحبي أبي حنيفة – تجوز صلاة من يحفظ القرآن؛ إذا قرأ من مصحف من غير حمل. كذا في الشمني وغيره لكن إطلاق المصنف مشير إلى أن الحافظ وغيره سواء».

وخلاصة المسألة: أن تلاوة القرآن بالنظر إلى المصحف في الصلاة جائزة مطلقا من غير كراهة عند الشافعية؛ بشرط أن لا يتحرك ثلاث حركات متواليات، وعند الحنابلة جائزة في النفل، ومثلهم بعضُ المالكية، وكرهها الأحناف كراهة تحريم، مع الحكم بالفساد في الفريضة والنافلة، إلا لحافظ الذي يقرأ من مصحف ليس بمحمول له. والله تعالى أعلم.


[1] ((أسنى المطالب)) (1/183).

[2] ((كتاب المصاحف)) لابن أبي داود (455).

[3] ((صحيح البخاري)) (1/141).

[4] انظر ((كتاب المصاحف)) لابن أبي داود (صـ:457ـ460).

[5] ((المغني)) (1/411).

[6] ((المدونة)) (1/288ـ289).

[7] ((الشرح الكبير)) للشيخ الدردير (1/316).

[8] ((مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر)) لعبدالرحمن بن محمد بن سليمان (1/120).