مال المحجور عليه مع عدم الأب أو الوصي

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

        ما قول العلماء الأعلام في مال المحجور عليه بصبا إذا عدم الأب والجد والوصي، ومال الغايب إذا لم يكن له وكيل، والوقف على جهة عامة أو معين إذا لم يكن له ناظر خاص فهل في هذه الحالة لصلحاء بلد مال المحجور عليه والغائب والوقف تولي سائر التصـرفات في ذلك بالغبطة والمصلحة بأن يقيموا أحداً على ذلك من قبلهم مع وجود قاض خيف منه على ذلك؟ أو ليس لهم ذلك؟ وما المراد بصلحاء البلد؟ أفيدونا المسألة واقعة أبقاكم الله لنفع الأمة.

بسم الله الرحمن الرحيم وأساله التوفيق للصواب بجاه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، (الجواب): قال شيخ الإسلام أحمد ابن حجر الهيتمي في تحفته من باب الحجر عقب قول المتن: (ولي الصبي أبوه ثم جده ما صورته: نعم للعصبة منهم أيضا (أي الأقارب) العدل عند فقد الولي الخاص الإنفاق من مال المحجور في تأديبه وتعليمه لأنه قليل فسومح به ذكره في المجموع في الصبي ومثله المجنون والسفيه، وقضيته أن له ذلك ولو مع وجود قاض وهو متجه إن خيف منه عليه بل في هذه الحالة للعصبة وصلحاء بلده بل عليهم كما هو ظاهر تولي سائر التصرفات في ماله بالغبطة بأن يتفقوا على مرض منهم يتولى ذلك ولو بأجرة) ( ) انتهى، وقال ابن حجر أيضاً في فتح الجواد: (قال الجرجاني ولو فقد الولي فعلى المسلمين النظر في مال محجورهم، وتولي حفظه له، ويؤخذ منه مع ما مر أنه لو لم يوجد إلا قاض فاسق أو غير أمين كانت الولاية للمسلمين أي لصلحائهم ومن ثم قال صاحب التعجيز يجب عليهم النظر في ماله وحفظه، وأفتى ابن الصلاح بأن لمن عنده مال اليتيم لو سلمه لحاكم جاير خان فيه التصرف فيه للضرورة أي إن كان عدلاً أميناً كما هو ظاهر، وقضية علته وجوب دفعه لحاكم عدل أمين ولي، وحينئذ لا ينقض ولا يتتبع تصرفه في زمن الجاير على الأوجه لأنه كان وليا شرعاً، وما ثبت أنه على خلاف الصواب باطل لا يحتاج لنقض)( ) انتهى.
وفي النهاية للجمال الرملي من باب الحجر أيضاً: (وأفتى ابن الصلاح فيمن عنده يتيم أجنبي ولو سلمه لحاكم خان فيه بأنه يجوز له التصرف في ماله للضرورة ويؤخذ من علته أنه ولي عدل أمين وجب الرفع إليه حينئذ ولا ينقض ما كان تصرف فيه زمن الجائر؛ لأنه كان ولياً شرعياً، ويؤخذ من كلام الجرجاني أنه لو لم يوجد إلا قاض فاسق أو غير أمين كانت الولاية للمسلمين أي لصلحائهم وهو متجه) انتهى، قال الشيخ علي الشبراملسي في حاشيته عليها: (قوله (ولا ينقض) أي ويصدق في ذلك حيث يصدق الوصي بأن ادعى نفقة لائقة ..الخ ما يأتي، وقوله (كانت الولاية للمسلمين بل عليهم) أي عند عدم الخوف على النفس أو المال وإن قل أو غيرهما كما هو ظاهر تولي سائر التصرفات في ماله بالغبطة) ( ) انتهى.
قال سيدي العلامة عبد الله بن عمر بن يحيى في فتاويه: (وإن كان قاضي البلد جاهلاً خائناً غير عدل، كأكثر قضاة الزمان فلا ولاية له على حصص الغائبين بل الولاية عليها لصلحاء البلد وأهل الأمانة والديانة منهم فيلزمهم أن يرتضوا بواحد يحفظه يتولاه إلى أن يجيء له الغائب أو وكيله)( ) انتهى، وقال سيدي العلامة عبد الله بن حسين بلفقيه في فتاويه نقلاً عن الإمام الأشخر: (أن الولاية الشرعية تثبت لأعمام المحاجير ابتلاء بسبب فقد الحاكم حساً وشرعاً بأن خيف منه على المال فلهما بل عليهما كسائر صلحاء بلده تولي سائر التصرفات في ماله بالغبطة كما صرح به الجرجاني، وأفتى به ابن الصلاح وغيره وصرح بنظيره الشيخان في صرف غلة وقف نحو المسجد عند فقد نحو حاكم) انتهى، وقال أيضا في أثناء جواب آخر: (إذ لا ولاية شرعية للآحاد مع وجوده أي الحاكم بل مع عدمه إما أصلاً أو حكماً؛ لكونه غير أمين) ثم قال: (وقال صاحب التعجيز: يجب عليهم النظر في ماله وحفظه كما أفتى به ابن الصلاح بأن لمن عنده مال يتيم لو سلمه للحاكم خان فيه التصرف للضرورة. انتهى المقصود من فتاوى الأشخر من المحال الثلاث، وكلام الأئمة طافح بذلك)( ) انتهى.
وقال سيدي العلامة الجد عبدالرحمن بن محمد المشهور في بغية المسترشدين في باب الوقف من أثناء مسألة في النظر نقلا عن العلامة الحبيب عبدالله بن عمر بن يحيى رضي الله عن الجميع(نعم إن كان المتولي -أي على المال الموقوف- ومن نقله من صلحاء البلد وقصد حفظه لعدم الحاكم أوجوره كان محسناً لأن المراد بالحاكم حيث اطلق العدل الأمين كامل النظر فغيره كالعدم فحينئذ يلزم صلحاء أهل بلد الوقف تولية أهل لذلك وإلا أثموا ولزم من تحت يده الوقف التصـرف فيه إن كان أهلاً وإلا رفعه إلى أهل)( ) انتهى، وفيها أيضاً من آخر باب الإيعاب: ( (مسألة بن يحيى): عزل الوصي نفسه أو أراد سفراً لزمه رد المال للقاضي الأمين فإن لم يكن كما هو الغالب الآن لزمه أن يجمع صلحاء البلد ويرده إليهم ويلزمهم اختيار واحد منهم)( ) انتهى.
إذا علمت كلام هؤلاء الأئمة الأعلام ظهر لك منه الجواب عن السؤال وهو أنه حيث خيف من تولي القاضي على مال نحو المحجور كما ذكر السائل جاز لصلحاء البلد تولي سائر التصرفات في مال المحجور والغائب والمال الموقوف من كل ما يصوغ للحاكم بالغبطة بأن يتفقوا على مرضي منهم يتولى ذلك، بل يجب عليهم ذلك عند عدم الخوف على النفس أو المال وإن قل أو غيرهما، ثم إن كان نحو المحجور عليه وماله ببلد آخر صح، فالعبرة بصلحاء بلد المال بالنسبة للتصـرف فيه بالحفظ والتعهد وما يقتضيه الحال من الغبطة اللائقة إذا أشرف على التلف، وصلحاء بلد نحو المحجور بالنسبة لنحو التجارة فيه واستنمائه كما هو ظاهر.
وقول السائل (وما المراد بصلحاء البلد؟) جوابه: المراد بهم أهل الحل والعقد من أرباب الأمانة والديانة والصلاح من قاطني تلك البلد، لا من ليس كذلك من أهل الفسق والفجور والخيانة، فلا يعدون من الصلحاء كما هو معلوم والله أعلم بالصواب. وكتبه الفقير إلى الله محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم عفا الله عنه وحرر بتريم الغناء فاتحة جماد الأولى سنة 1370هـ.
وكتب عليه العلامة الشيخ سالم بن سعيد بكيّر ما صورته: الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد فقد تأملت ما كتبه سيدي
العلامة الجمال محمد بن سالم بن حفيظ من الجواب على السؤال المذكور فرأيته صحيحاً معتبراً، وكفى بما نقله من كلام الأئمة دليلاً وشاهداً لصحته والله أعلم بالصواب. وكتبه الفقير إلى الله سالم بن سعيد بكيّر سامحه الله.