مذهب الحق في نقض الوضوء بلمس الزوجة 

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

ورد إلينا سؤال يقول فيه السائل:

هل ينتقض وضوئي عند لمس زوجتي بدون شهوة؟  

علماً أني ليس متبعا لأحد المذاهب الأربعة، ولكني متبع للحديث الذي يقول: (أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قَبَّلَ امرَأَةً مِن نِسَائِهِ، ثُمَّ خرج إلى الصَّلَاةِ ولَم يَتَوَضَّأْ)، رواه أبو داود[1] ، وصححه ابن جرير، وابن عبد البر، والزيلعي.


[1] ((سنن أبي داود)) (179).

الحمد لله.. الجواب وبالله التوفيق:

رزقنا الله حسن المتابعة لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وحسن الوعي لخطاب الرب الأعلى، وحسن التطبيق والتنفيذ لأحكام شرع الله عز وجل، على وفق هدي سلفنا الصالح والأئمة الـمُتَّـبَعين.

وإن من أحكام شرع الله عز وجل قوله تعالى:{فَسۡـَٔلُوۤا۟ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ }

النحل: 43]

وقوله تبارك وتعالى: {وَإِذَا جَاۤءَهُمۡ أَمۡرࣱ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰۤ أُو۟لِی ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِینَ یَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ }[النساء: 83]

وقوله تبارك وتعالى: { وَمَن یُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَیَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَیَتَّبِعۡ غَیۡرَ سَبِیلِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَاۤءَتۡ مَصِیرًا }[النساء: 115]

وقول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: «العلماءُ ورَثة الأنبياء»، حديثٌ صحيح رواه الإمام أحمد في مسنده[1] ، وأبو داود في سننه[2] ، والترمذي في سننه[3] ، وابن ماجه في سننه[4] ، وابن حبان في صحيحه[5] ، من حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه مرفوعا.

وإن مما جرت عليه مسالك الأمة في سائر الأعصار والأمصار، أخذهم للفقه وأحكام الحلال والحرام، عمن دعاهم إلى الأخذ عنه كتاب ربهم عز وجل، وهدي نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

والأئمة الأربعة: أبا حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، تواترت أسانيدهم في أخذهم الفقه، وتقريرهم الأدلة، وتوضيحهم الأحكام عن التابعين، وهم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والجميع أخذوا من مصدر التشريع وأصله، وهو نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

فالأئمة الأربعة أتباع الكتاب والسنة، وهدي السلف الصالح على وجه الحقيقة، والانتساب إليهم إنما هو باعتبار الأخذ بقواعدهم الأصولية والحديثية التي قرروها عمن كان قبلهم، وجعلوها بمثابة القواعد لفهم النصوص.

فالآخذ بأقوالهم آخذ بالكتاب والسنة؛ كانتسابنا تماما في القراءة إلى حفص عن عاصم، أو إلى أبي عمرو أو نافع، وغيرهم من القراء المعتمدين أو رواتهم.  ونحن نؤمن بأنها كلها كتاب الله عز وجل، المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد جاء على منوال ذلك.. محققو المذاهب ومصنفوها، والمنظرون لها، فخرجت هذه المذاهب المتبوعة بحلل وألبسة زاهية في إيضاح أحكام الحلال والحرام، على وجهٍ حسنٍ، يورث الطمأنينة، ويثمر الخشية، ويبعد الكبر والإعجاب بالنفس، ويوقف المرءَ عند حَدّه، ويعرفه شأن نفسه.

وفي هذا قالوا: 

وواجب تقليد حبر منهم

كذا حكى القوم بلفظ يفهم

وتفصيل هذه المسألة تجدها مسطرة في كتب كثيرة منها: «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» للشيخ ابن تيمية، ومن أحسنها: «اللاَّمذهبيَّة أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية» للعلامة البوطي، فانظر وتبصر، والله يتولى هداك.

وأما الجواب عن المسألة التي ذكرت:

فإن الذي ذهب إليه الشافعي[6] رحمه الله ومن نحا نحوه أنّ لمس الرجل لزوجته ينتقض به الوضوء؛ لقوله تعالى: {أَوۡ لَـٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَاۤءَ}[النساء: 43]، وفي قراءة من القراءات السبع:(أو لمَستم النساء) [النساء: 43]، ناظرا إلى أن العلة في النقض كونها مظنة الشهوة، والقاعدة الشرعية[7] تقول: (ما أنيط بالمظِنّة استوى فيه الوجود والعدم)، ونظرا لهذه العلة فقد استثنى من عموم الآية المحارم؛ لعدم الشهوة نحوهن، إلا في الشاذ النادر وهذا لا حكم له.

وأما الحديث المذكور في السؤال: فهو واقعة حال، ولها احتمالات، والقاعدة الأصولية[8] تقول: (وقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال). 

على أنّ من المحدثين الفقهاء[9]– كالإمام البخاري والترمذي وغيرهم أعلّو هذا الحديث بالاضطراب؛ لما جاء في بعض الروايات: (أنه قبّل وهو صائم) ، إلى غير ذلك من الأدلة التي يحتاج مَن يرغب في التوسع فيها إلى الكتب المؤلفة في ذلك.

وذهب الامام مالك[10] : إلى أن النقض لا يحصل الا إن كان اللمس بقصد شهوة أو مع وجودها، وإلا فلا، والمشهور في مذهب أحمد[11] أن النقض باللمس لا يكون الا مع الشهوة، وخالفهما الإمام أبو حنيفة[12] رحمهم الله.

فجمهور العلماء لم يأخذوا بظاهر الحديث، بل جمعوا بينه وبين غيره من الأدلة، وخرجوا باستنباطات اتفقوا في بعضها، واختلفوا في الآخر. 

والله تعالى أعلم. 


[1] ((مسند احمد)) (21714).

[2] ((سنن أبي داود)) (3641).

[3] ((سنن الترمذي)) (2682).

[4] ((سنن ابن ماجة)) (223).

[5] ((صحيح ابن حبان)) (88).

[6] انظر ((منهاج الطالبين)) للإمام النووي (صـ:10).

[7] انظر ((تحفة المحتاج)) للعلامة ابن حجر (1/136).

[8] انظر ((حاشية شيخ الاسلام على جمع الجوامع)) (صـ:301)، وانظر ((نهاية المحتاج)) للعلامة الرملي (2/406).

[9]  انظر ((الهداية في تخريج أحاديث البداية)) للعلامة أحمد بن الصديق الغماري (74).

[10] انظر ((الشرح الكبير)) للشيخ الدرير (1/119).

[11] انظر ((المغني)) لابن قدامة (1/141) .

[12] فعنده النقض لا يكون الا بالمباشرة الفاحشة على تفصيل ذكروه في كتبهم، انظر ((الدر المختار)) للحصفكي مع ((حاشية ابن عابدين)) (1/146).