نكاح المسيار

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

ورد إلينا سؤال يقول فيه السائل: 

أرجو أن تكرموني بأحكام نكاح المسيار ـ معناه ـ حكمه كلام أهل الفقه فيه ـ وكيف نصححه ـ وما نصيحتكم لمن يريده ؟

الحمد لله .. الجواب وبالله التوفيق : 

معنى نكاح المسيار في الواقع: هو نكاح مستكمل الأركان والشروط؛ إلا أن الزوجة ترضى بأسقاط بعض حقوقها كالنفقة والمهر والمسكن والقسم، كما أن الزوج يسقط بعض حقوقه.. كإلزامها بعدم الخروج دون إذنه. 

وأما حكمه شرعا: فهو صحيح حيث استكمل الأركان، التي هي الزوج والزوجة والولي والشاهدان والصيغة، مع شروط كل ركن كما هو مذكور في كتب الفقه الشافعي[1]، وبشرط خلو العقد من مانع من موانع الصحة كشرط ما يخل بمقصود النكاح الأعظم في صلب العقد؛ مثل شرط الولي عدم وطئ الزوجة المحتملة له؛ فإنه يبطل النكاح حينئذ؛ نعم الشرط المذكور قبل العقد أو بعده ولو في مجلسه لا عبرة به. 

نعم الشروط التي توافق مقتضى النكاح كشرط القسم والنفقة أو لم يتعلق بها غرض كأن لا تأكل إلا لحما؛ لا تؤثر في صحة النكاح والمهر؛ بل يتأكد الشرط إن وافق مقتضاه ويلغو إن لم يتعلق به غرض. 

وإن خالفت الشروط مقتضى النكاح ولم تخل بمقصوده الأعظم؛ كشرط أن لا يتزوج عليها أولا نفقة لها؛ فلا تؤثر في صحة النكاح بل يفسد الشرط والمسمى ويجب مهر المثل. 

قال في التحفة مع المنهاج[2]: “(ولو شرط) في صلب العقد إذ لا عبرة بما يقع قبله أو بعده ولو في مجلسه… (خيارا في النكاح بطل النكاح)؛ لمنافاته لوضع النكاح من الدوام واللزوم …،(وسائر الشروط) أي باقيها (إن وافق مقتضى النكاح) كشرط القسم والنفقة (أو لم يتعلق به غرض) كأن لا تأكل إلا كذا؛ (لغا) الشرط أي لم يؤثر في صحة النكاح والمهر؛ لكنه في الأول مؤكد لمقتضى العقد، فليس المراد بالإلغاء فيه بطلانه بخلاف الثاني … (وصح النكاح والمهر) كالبيع، (وإن خالف) مقتضاه (ولم يخل بمقصوده الأصلي؛ كشرط أن لا يتزوج عليها أولا نفقة لها صح النكاح)؛ لأنه إذا لم يفسد بفساد العوض فلأن لا يفسد بفساد الشرط المذكور أولى …(وفسد الشرط)؛ لأنه مخالف للشرع، وصح خبر «كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل»[3] (والمهر)؛ إذ لم يرض شارط ذلك بالمسمى إلا عند سلامة شرطه فيجب مهر المثل، (وإن أخل) الشرط بمقصود النكاح الأصلي (ك) شرط ولي الزوجة على الزوج (أن لا يطأها) مطلقا أو في نحو نهار وهي محتملة له أو أن لا يستمتع بها (أو) شرط الولي أو الزوج أن (يطلقها) بعد زمن معين أو لا؛ (بطل النكاح) للإخلال المذكور …، أما إذا كان الشارط لعدم الوطء هو الزوج؛ فلا بطلان كما في الروضة وغيرها لأنه حقه فله تركه …، (تنبيه) نقل الشيخان على الحناطي: أن من هذا القسم ما لو شرط أن لا ترثه أو أن يرثها أو أن ينفق عليها غيره، ثم قالا: وفي قول يصح ويبطل الشرط، قال جمع متأخرون وهذا هو الأصح؛ لأن الشرط المذكور لا يخل بمقصود العقد أي وهو الاستمتاع” اهـ. 

وأما الحقوق التي أسقطتها الزوجة على الزوج؛ فلا تسقط بمجرد الاتفاق، كما أن إذن الزوج للزوجة بالخروج وقت ما تريد يجوز الرجوع عنه؛ نعم إن نذرت الزوجة بإسقاط حقوقها؛ فتسقط بسبب النذر إن كان نذر تبرر ولو كان النذر قبل الزواج، قال في التحفة[4]: “والحاصل أن الفرق بين نذري اللجاج والتبرر أن الأول فيه تعليق بمرغوب عنه والثاني بمرغوب فيه، ومن ثم ضبط بأن يعلق بما يقصد حصوله؛ فنحو: إن رأيت فلانا فعلي صوم؛ يحتمل النذرين ويتخصص أحدهما بالقصد، وكذا قول امرأة لآخر إن تزوجتني فعلي أن أبرئك من مهري وسائر حقوقي؛ فهو تبرر إن أرادت الشكر على تزوجه” اهـ.، قال المحشي عبدالحميد: ” (قوله: فهو تبرر) أي: فيجب عليها إبراؤه مما يجب لها في المهر ومما يترتب لها بذمته من الحقوق بعد وإن لم تعرفه؛ كما يأتي في قول الشارح ولا يشترط معرفة الناذر ما نذر به إلخ” اهـ.، وقال في التحفة أيضا[5]: “وجعل بعضهم من النذر بالمعدوم المجهول؛ نذرها لزوجها بما سيحدث لها من حقوق الزوجية” اهـ ومعلوم أن النذر بالمعدوم والمجهول يصح، وقال الخطيب في الإقناع[6]: “وفي فتاوى بعض المتأخرين: أنه يصح نذر المرأة لزوجها بما وجب لها عليه من حقوق الزوجية، ويبرأ الزوج وإن لم تكن عالمة بالمقدار؛ قياسا على ما إذا قال: نذرت لزيد ثمرة بستاني مدة حياته؛ فإنه صحيح كما أفتى به البلقيني؛ وقياسا على صحة وقف ما لم يره؛ كما اختاره النووي وتوبع عليه؛ فإنه أعم من أن يكون الموقوف عليه معينا أو جهة عامة” اهـ.

وقول السائل (كيف نصححه) فجوابه: إن وقع العقد بقيود الصحة المذكورة في أول الجواب؛ فهو صحيح ولا نحتاج لتصحيحه، وإن اختلت قيود الصحة؛ فلا بد من تصحيح العقد وفق الأركان والشروط المعتبرة في المذهب.وننبه: إلى أن نكاح المسيار لم يسر على المعهود في أنكحة أهل الإسلام، فلذلك كان فيه من المحاسن وأضدادها وربما زادت مساويه على محاسنه من عدم الشعور بالرحمة والمودة ضعف رعاية الرجل لزوجته وضعف تربية الأولاد وعدم شعورهم بالأبوة إلى غير ذلك، فإذا استطاع المسلم أن يسد هذه المساوي والثغرات فلا بأس، وإلا فالأولى أن يجتنب ذلك، وقد يختلف الحال بلدا وزمانا ووضعا وما خاب من استخار ولا ندم من استشار .. والله تعالى أعلم. 


[1] انظر ((الياقوت النفيس في مذهب ابن إدريس)) للحبيب أحمد الشاطري (صـ:215ـ219).

[2] ((تحفة المحتاج مع المنهاج)) (7/ 386-388).

[3] كما في ((مسند الامام الشافعي)) (230).

[4] ((تحفة المحتاج)) للعلامة ابن حجر (10/ 71).

[5] المصدر السابق (10/ 76).

[6] ((الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع)) للعلامة الخطيب (2/ 610).