وقت العشاء عند من لا يغيب عندهم الشفق

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

ورد إلينا سؤال يقول فيه السائل:

نعلم أن المعتمد عند الشافعية في تحديد وقت صلاة العشاء أنها تبدأ من غروب الشفق الأحمر، ويستمر وقتها إلى الفجر، ولكن نحن نعيش في دولة غربية، ونلاحظ في فصل الصيف أن هذا الشفق لا يختفي إلا بعد طلوع الشمس. بمعنى أن هذا التوقيت يسري حتى على صلاة الفجر، فظهر أنه لا وقت محدد للصلاتين.

 فما هو الحل؟  هل هو ما ذهب إليه البعض من أنه ينبغي أخذ وقت الصلاة في حالة التعذر من أقرب بلاد بالنسبة لتلك المنطقة التي يكون فيها الإشكال؟  وما المقصود بأقرب بلاد؟  لأننا إذا أخذنا بأقرب مدينة لنا، فهناك إشكال أكبر، وهو أن وقتي صلاة العشاء والفجر ينعدم هناك أيضاً، فسنضطر إلى أخذ وقتي الصلاتين من المدينة التي تليها وهكذا، وسنظل نتتبع مدينةً تلو أخرى.

أم أن المقصود بأقرب بلاد؛ البلاد التي يكون وقت الصلاة فيها منضبطا على مدار السنة؟  وإذا أخذنا بمسألة التقدير التي ذكرها الأئمة، فما المقصود بالتقدير؟

ففي «حواشي الشرواني والعبادي على التحفة»[1]  جاءت هذه العبارة: «وَمَنْ لَا عِشَاءَ لَهُمْ؛ لكَوْنِهِمْ في نَوَاحٍ تَقْصُرُ لَيَالِيُهُمْ وَلَا يَغِيبُ عَنْهُمْ الشَّفَقُ – أَيْ الأَحْمَرُ- تَكُونُ العِشَاءُ في حَقِّهِمْ بِمُضِيِّ زَمَنٍ يَغِيبُ فِيهِ الشَّفَقُ في أَقْرَبِ البِلَادِ إلَيْهِمْ» اهـ. فهذا التقدير الزمني الذي تكلم عنه المحشي قد يكون صعبا في بعض الأوقات؛ لأنه قد يؤدي إلى أداء صلاة العشاء بعد شروق الشمس، وفي بعض الأماكن قد تؤدى الصلاة في وقت متأخر جدا، مما يسبب مشقة على كثير من الناس الذين لهم أعمال يشتغلون فيها.. فهل يجوز الأخذ بالتقدير النسبي دون التقدير الزمني، كما قاله القليوبي وغيره؟


[1]  ((حاشية الشرواني والعبادي على التحفة)) (1/424).

الحمد لله.. الجواب وبالله التوفيق:

البلاد التي لا يغيب فيها الشفق قسمان: الأول: البلد الذي يغيب فيه الشفق في بعض أيام السنة. والثاني: بلد لا يغيب فيه الشفق في جميع أيام السنة.

فالحكم في القسم الأول (وهو البلد الذي يغيب فيه الشفق في بعض أيام السنة): أن نقدر الوقت بزمن آخر يوم غاب فيه الشفق عندهم، نقَلَ هذا القول الشيخ تقي الدين العثماني في شرح مسلم[1].

والحكم في القسم الثاني (وهو البلد الذي لا يغيب فيه الشفق في جميع السنة): أن نعتبر دخول وقت العشاء بغروب الشفق في أقرب مكان إليهم يغيب فيه الشفق,  وهذا الاعتبار له حالتان:

الأولى: (أن لا يؤدي ذلك الاعتبار إلى طلوع فجر البلاد التي لا يغيب فيها الشفق)، فنأخذ بالتقدير الزمني، وهو بأن نعتبر دخول وقت العشاء بغروب شفق أقرب البلاد إليهم، ولو أدى ذلك الاعتبار إلى مرور نصف ليلهم.

الثانية: (أن يؤدي هذا الاعتبار إلى طلوع فجر البلاد التي لا يغيب فيها الشفق)، فنأخذ بالتقدير النسبي، وهو أن نقدر لهم مدة شفق من ليلهم بنسبة مدة شفق غيرهم لليله. 

مثاله: إذا كان الشفق يغيب في أقرب مكان لهم بعد الغروب بساعة، ومدة الليل في ذلك المكان من الغروب للفجر ثمان ساعات، فغيبوبة الشفق ثمن الليل. فإذا كان ليل البلاد التي لا يغيب فيها الشفق اثنتي عشرة درجة فوقت العشاء بعد الغروب ثُمُنُها، وهو درجة ونصف.

 قال الإمام النووي في المجموع[2]: « (فرع): قال صاحب التتمة: في بلاد المشرق نواح تقصر لياليهم، فلا يغيب الشفق عندهم، فأول وقت العشاء عندهم أن يمضي من الزمان بعد غروب الشمس قدر يغيب الشفق في مثله في أقرب البلاد إليهم « اهـ.

وقال الشيخ ابن حجر في «تحفة المحتاج»[3]: « ومن لا شفق لهم يعتبر بأقرب بلد إليهم، ويظهر أن محله ما لم يؤدّ اعتبار ذلك إلى طلوع فجر هؤلاء، بأن كان ما بين الغروب ومغيب الشفق عندهم بقدر ليل هؤلاء، ففي هذه الصورة لا يمكن اعتبار مغيب الشفق؛ لانعدام وقت العشاء حينئذ، وإنما الذي ينبغي أن ينسب وقت المغرب عند أولئك إلى ليلهم، فإن كان السدس مثلا جعلنا ليل هؤلاء سدسه وقت المغرب، وبقيته وقت العشاء، وإن قصر جدا « اهـ.

وقد أجاب الشيخ محمد تقي العثماني[4] عمن أسقط وجوب العشاء قياسا عل سقوط غسل اليدين عمن قطعت يداه، فقال: « بل الدليل ينقلب عليهم؛ لأن غسل اليدين كان شرطا لصحة الصلاة، ولكن لـما انعدم العضوان انعدم الشرط، ولم يسقط أداء الصلاة بفوات هذا الشرط، وإنما سقط اعتبار كونه شرطا لعدم وجوده، فكذلك غيبوبة الشفق كان سببا لوجوب العشاء، فلما انعدم هذا السبب بالكلية لم نَقُلْ بسقوط الصلاة، وإنما سقط اعتبار كونه سببا، فوجبت الصلاة في المسألتين، وسقط اعتبار الشرطية والسببية» اهـ.

وقال الكمال ابن الهمام في فتح القدير[5]: «ولا يرتاب متأمل في ثبوت الفرق بين عدم محل الفرض- وهو العضو المقطوع – وبين سبب الفرض – وهو غياب الشفق – الذي جعل علامة على وجوب العشاء. وانتفاء الدليل – وهو عدم غياب الشفق – على وجوب العشاء لا يستلزم انتفاء وجوبها؛ لوجود دليل آخر، وهو ما تواطأت أخبار الإسراء من فرض الله تعالى الصلاة خمسا، بعد ما أمروا أولاً بخمسين، ثم استقر الأمر على الخمس شرعا عاما لأهل الآفاق، لا تفصيل فيه بين أهل قطر وقطر، فاستفدنا أن الواجب في نفس الأمر خمس على العموم، غير أن توزيعها على تلك الأوقات عند وجودها، ولا يسقط بعدمها الوجوب، وكذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد[6]»» اهـ. والله تعالى أعلم. 


[1] ((تكملة فتح الملهم)) (6/298).

[2] ((المجموع شرح المهذب)) (3/41).

[3] ((تحفة المحتاج)) (١/٤٢٤).

[4] ((تكملة فتح الملهم تعليقا)) (6/297).

[5] ((فتح القدير)) (١/٢٢٤).

[6] ((سنن النسائي)) (461).