حكم المال المعين للحج بعد وفاة صاحبه

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

ورد إلينا سؤال يقول فيه السائل:

رجل عزم على الحج ودفع الرّسوم، فتوفي قبل الذهاب إلى الحج، فقام المسئول على الحجاج في بلدنا وأعطى إمام المسجد في منطقتنا النقود التابعة لهذا الرجل، فطلب أبناءُ الميت نقودَ والدهم من هذا الإمام، فقال: إنّ والدكم قد نوى الذهاب إلى الحج بهذا المال، ولا يمكن أن يرجع المال لكم، وأراد أن يستأجر شخصا ليحُجّ عن والدهم، والباقي يتصدّق به، ولا يمكن أن يعود إليهم المال بأي حال.

فنرجو توضيح هذه المسألة وهل الفتوى صحيحة؟

وهل ممكن إرسال هذه النقود إلى مكة وتوكيل واحد من أهلها ليحج عن هذا الرجل، والنقود الزائدة توزع على الورثة حسب حصصهم في الإرث، أو هل بالإمكان أنْ يحجّ واحد من أولاده بهذا المال؟  أو هل للأبناء أن يأخذوها ويقتسموها بينهم حسب حصصهم في الإرث، دون أن يحجوا عن أبيهم؟

الحمد لله.. الجواب وبالله التوفيق:

اعلم أن الحج والعمرة فُرِضَا مَرَّةً واحدة في العمر، على كل مسلم اجتمعت فيه شروط الاستطاعة التي نص عليها الفقهاء رحمهم الله تعالى؛ لقوله تعالى:

 { وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَیۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَیۡهِ سَبِیلࣰاۚ}[سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ: ٩٧]

وفي الحديث عند أحمد[1] وغيره، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، هل على النساء من جهاد؟  قال: «نعم؛ عليهِنَّ جِهادٌ لا قِتالَ فيه، الحج والعمرة».

فكل من توفّرت فيه شروط الاستطاعة لزمه الحج والعمرة، وهما في ذمته على التراخي، فإنْ توفي لزِمَ وصِيّه الاحجاج عنه من تركته، مقدّما على غيره من الديون المرسلة في الذمة، والوصية، والإرث، وإذا وجد متطوّع وحج عنه بالفعل فيمكن لورثته في هذه الحالة أن يقتسموا الـمال المرتب للحج.

وإذا لم تجتمع فيه شروط الاستطاعة؛ لم يكن ذلك واجبا عليه ولا يتعلق بتركته؛ بل إن حج هو فقد أدى الركن وحاز الأجر، وإن أتى به غيره بعد وفاته أجزأه ذلك وللفاعل المثوبة من الله عز وجل.

 إذا علمت هذه المقدمة؛ فاعلم أنّ ما قام به المسئول على الحجاج من إعطاء إمام المسجد المال، ومنْع إمام المسجد المستحقين من التركة منه، هو جهل بالشريعة وخطأ حاصل منهما، نتَجَ من قلّة معرفتهم بأحكام شرع الله عزّ وجل، فالمسؤول على الحجاج هو الضّامن الأوّل لهذا المال بتمامه، وملزمٌ شرعاً أنْ يسلّمَه لورثة ذلك الرجل؛ ليحجوا عنه إن وجب عليه الحج والعمرة، أو يوكّلوا غيرهم، أو يتبرّع أحدهم بالحجّ وجوباً، وذلك في حالة الاستطاعة منه في حياته، ووجود تركة بعد وفاته، وندبا في حالة عدم الاستطاعة منه في حياته، أو لا توجد له تركة بعد وفاته، وكل مسلم قام بالنيابة عنه في حجة الإسلام أو عمرته، أو هما معاً صح ذلك، سواء كان وارثا، أو غير وارث، وسواء كان ذلك بمقابل، أو بغير مقابل.

وما فعله إمام المسجد المذكور في السؤال – من منعهم من المال، وترتيب من يحج عن الميت من ذلك المال – هو خطأ واضح، لا يليق بمثل مقامه، بل يجب عليه تسليم الـمال كاملا للورثة.

وينبغي للورثة – والحال ما ذكر – أن يوكلوا إمامَ المسجد في إنابة مَنْ يحجّ عن ميتهم بهذا المبلغ الذي أبى أنْ يسلمه إليهم؛ حتى يخرجوه من الإثم، ويحصل لمورثهم الحج، وهذا بشرْط أن لا يكون في الورثة محجورٌ عليه.

وما ذكر في السؤال – من أخذِ بعض الورثة للمال ليحجّ به، أو يوكل في مكة من يحجّ عن مورثه – إن سمحت نفوس بقية الورثة بهذا ولم يكن فيهم محجور عليه جاز ذلك، وإلا فلا يجوز الأخذ؛ إذ الـمال ترِكَةٌ للجميع.

ولعل المسؤول، وإمام المسجد، وبعض العامة، يعتقدون أنّ من أفرز مالاً للحج أو العمرة لا يجوز له أن يصرفه في غيره، وهذا جهل، فالـمال الذي وضِعَ للحج، لا يجب صرفه للحج، بل يجوز صرفه لأيّ جِهَةٍ أخرى. والله تعالى أعلم.


[1]  ((مسند أحمد)) (25322).