دخول شهر رمضان بالحساب الفلكي

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

ورد إلينا سؤال يقول فيه السائل:

نحن في دولة غير مسلمة، وقد قرر مجلس الأئمة في الولاية التي نعيش فيها الاعتماد على رؤية البصر في إثبات الأشهر القمرية، بدءاً و انتهاءً، بدلاً من الاعتماد على الحساب الفلكي؛ اتباعا لأدلة الشريعة الطاهرة، وعملا بالمفتى به في المذاهب الفقهية المعتبرة، وإحياء لسنة سيد المرسلين الحبيب المصطفى صلى الله عليه و آله وصحبه أجمعين، ولكن جمهور الجالية العربية في هذه الولاية يتبعون منذ زمن جمعيّةً إسلامية تعتمد على الحساب الفلكي، فقامت الدنيا ولم تقعد واتُّهِمَ أعضاءُ المجلس بأنهم يفرقون جماعة المسلمين، وينشرون الفتنة بين أفراد العوائل حيث يكون بعضهم صائما وبعضهم مفطرا.. ولـمّا بيّن أعضاء المجلس الأدلة الشرعية التي بنوا عليها قرارهم، وفتاوى كبار علماء الأمة الإسلامية قديمًا وحديثًا، التي ترفض الاعتماد على الحساب الفلكي، ونبذ الرؤية الشرعية، اعترضَ عليهم بعضُ طلبة العلم قائلين: إنّ بعضَ كبار العلماء يُفتون بجواز الاعتماد على الحساب الفلكي في إثبات الشهر القمري؛ بناءً على قول معتمد للشيخ شمس الدين الرملي في المذهب الشافعي، يوجب على الحاسب وعلى مَن صَدَّقَه العملَ بحسابه.

وحاول أعضاء المجلس أن يبينوا لهؤلاء الطلبة أن قول الشيخ الرملي استثناء من القاعدة العامة، وخاص بالحاسب والمجموعة التي حوله، ولا يجوز تعميمه بحيث تلغى الرؤية الشرعية كما يريده مؤيدو الحساب الفلكي في زمننا، ولكنهم أصَرّوا على موقفهم وتمسكوا بقولهم، فاختلط الأمر على العوام وكثر الجدل والمراء بينهم، وبناءً على ما تقَدّم يود أعضاء المجلس تقديم الأسئلة الآتية لفضيلتكم:

1-هل يجوز الاعتماد على الحساب الفلكي في إثبات الأشهر القمرية على المعتمد في مذهب السادة الشافعية؟

2-هل يجوز تعميم فتوى العلامة الرملي الخاصة بالحاسب ومن صدقه، بحيث يعمل بها من يشاء من أبناء الجالية الإسلامية بلا إنكار؟  أم أنها استثناء خاص من القاعدة العامة لا يجوز تعميمها ولا تطبيقها في واقعنا الحالي، مع الأخذ في الاعتبار أنه لا ينكر أحد في زماننا دقة الحسابات الفلكية؟

3-هل يوجد خلاف بين العلماء الأفاضل في تريم حول هذه المسألة؟

الحمد لله.. الجواب وبالله التوفيق:

العمل بالحساب في ثبوت الشهر القمري له حالتان:

الحالة الأولى: أن يدل الحساب على وجود الهلال بعد الغروب.

الحالة الثانية: أن يدل الحساب على نفي إمكانية الرؤية.

فالجواب على السؤال الأول في الحالة الأولى كالتالي:

أولا: إن الله تبارك وتعالى تعبدنا بزمن العبادة، وبتحديد الشروع فيها ابتداء وانتهاء؛ ليتم لنا الخضوع للحق سبحانه وتعالى، ولكي نخرج من اتباع الهوى والرغبات النفسية كما هو الحال في تعيين أوقات الصّلاة والصوم والحج، ولذلك اتفق جمهور العلماء على عدم اعتبار الحساب على العموم في ثبوت الشهر القمري، وهذا هو الذي يعتبر من خصوصيات هذه الأمة، وهو الذي قرره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من أن الثبوت يكون إما بالرؤية أو الكمال؛ لصريح النصوص الواردة في ثبوت الشهر بالرؤية أو الكمال، وحملوا الحديث المجمل: «.. فاقدروا له» الذي رواه البخاري[1] على حديث: «فأكملوا العدة ثلاثين»، رواه البخاري أيضاً[2] ، بل جاء في صحيح مسلم[3]: عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر رمضان، فضرب بيديه فقال: «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا -ثم عقد إبهامه في الثالثة-، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين».

ثانيا: إن في الأخذ بالحساب الفلكي في ثبوت الشهر القمري؛ تعطيلاً لـما قرّره صاحب الشرع صلى الله عليه وآله وسلم، وإقراراً لـما ألغاه، ولا يخفى ما في ذلك من المخالفة لصريح النصوص، ولعمله صلى الله عليه وآله وسلم بها، كما قرّره وعمل به جمهور العلماء من الفقهاء والقضاة، وانعقد الإجماع عليه كما سيأتي بيانه.

والجواب على السؤال الثاني والثالث في الحالة الأولى:

لا يجوز تعميم فتوى العلامة الشهاب الرملي الخاصة بالحاسب عند الرملي وغيره، وقد صرح بذلك ابنه العلامة جمال الدين، حيث قال في «نهاية المحتاج »[4]: «نعم له أن يعمل بحسابه ويجزيه عن فرضه على المعتمد، وإن وقع في المجموع عدم إجزائه عنه، وقياس قولهم إن الظن يوجب العمل أن يجب عليه الصوم، وعلى من أخبره، وغلب على ظنه صدقه، وأيضاً فهو جواز بعد حظر، ولا ينافي ما مر لأن الكلام فيه بالنسبة للعموم» اهـ.

ومنه يعلم أن فتوى العلامة الرملي مقصورة على الحاسب ومن صدقه، علما بأنه تفَرّدَ بالقولِ بالوجوب على الحاسب، فذلك القول مخالف للمقرر عند السادة الشافعية، بل ومخالف لجمهور العلماء؛ إذِ المقرر المعمول به عندهم عدم جواز ذلك لا للحاسب ولا لغيره، فضلا عن وجوبه عليه، ولا يجوز تعميمها، ولا الحكم بها.

قال الشيخ ابن حجر في تحفته[5] : «ونقل القرافي وابن الصلاح الإجماع على أنه لا يجوز الحكم بخلاف الراجح في المذهب، وبعدم الجواز صرح السبكي في مواضع من فتاويه في الوقف وأطال، وجعل ذلك من الحكم بخلاف ما أنزل الله؛ لأن الله أوجب على المجتهدين أن يأخذوا بالراجح، وأوجب على غيرهم تقليدهم فيما يجب عليهم العمل به، وبه يعلم أن مراد الأولين بعدم الجواز عدم الاعتداد به، فيجب نقضه كما علم مما مر عن أصل الروضة، قال ابن الصلاح – وتبعوه -: وينفذ حكم من له أهلية الترجيح إذا رجّح قولاً ولو مرجوحا في مذهبه بدليل جيد، وليس له أن يحكم بشاذ…» اهـ.

قال الإمام القرافي في الفروق[6] : «الفرق الثاني والمائة بين قاعدة أوقات الصلوات: يجوز إثباتها بالحساب والآلات، وكل ما دل عليها، وبين قاعدة الأهلة في الرمضانات، لا يجوز إثباتها بالحساب، وفيه قولان عندنا وعند الشافعية رحمهم الله تعالى، والمشهور في المذهبين عدم اعتبار الحساب، فإذا دلّ حساب تسيير الكواكب على خروج الهلال من الشعاع من جهة علم الهيئة؛ لا يجب الصوم، قال سند من أصحابنا: فلو كان الإمام يرى الحساب، فأثبت الهلال به، لم يُتّبَعْ؛ لإجماع السلف على خلافه، مع أن حساب الأهلة والكسوفات والخسوفات قطعي، فإن الله تعالى أجرى عادته بأنّ حركات الأفلاك، وانتقالات الكواكب السبعة السيارة على نظام واحد طول الدهر، بتقدير العزيز العليم» اهـ.

ولا يخفى أن المذهب السائد في بلاد حضرموت قديما وحديثا؛ هو المعتمد من مذهب الإمام الشافعي، وجميع فقهاؤهم وقضاتهم على ذلك، وبهذا يتضح اتفاق رأي العلماء سواء في رباط تريم، وفي دار المصطفى، وفي كلية الشريعة، وغيرها من المواقع العلمية المعتبرة حول هذه المسألة.

والحالة الثانية: أن يدل الحساب على نفي إمكانية الرؤية.

فإذا دل الحساب القطعي على نفي إمكانية الرؤية؛ فإنّ علماء حضرموت وكثير من علماء الأقطار يعتمدون ما حققه العلامة ابن حجر، تبعاً للسبكي، من رَدّ الشهادة، وحملها على الخطأ، أو على الكذب، في حالة الاستحالة القطعية عند أهل الحساب، وكان المخبرون بذلك منهم عدد التواتر، كما قال في «التحفة»[7] : (ووقع تردد لهؤلاء وغيرهم -أي الرملي ومن وافقه- فيما لو دل الحساب على كذب الشاهد بالرؤية، والذي يتجه منه أن الحساب إن اتفق أهله على أن مقدماته قطعية، وكان المخبرون منهم بذلك عدد التواتر، رُدَّتِ الشهادة، وإلا فلا، وهذا أولى من إطلاق السبكي إلغاء الشهادة إذا دل الحساب القطعي على استحالة الرؤية، وإطلاق غيره قبولها) اهـ. والله تعالى أعلم.


[1] (( صحيح البخاري)) (1900).

[2]  (( صحيح البخاري)) (1907).

[3]  (( صحيح مسلم)) (1080).

[4]  ((نهاية المحتاج)) (3/150).

[5] (( تحفة المحتاج)) (١٠/١٤٥).

[6]  (( الفروق)) (٢/١٧٨).

[7]  (( تحفة المحتاج)) للعلامة ابن حجر (٣/٣٨٢).