حكم التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

ورد إلينا سؤال يقول فيه السائل:

هل التوسل بالنبيّ محمدٍ عليه الصّلاة والسّلام جائز؟  وما الدليل على ذلك؟

الحمد لله.. الجواب وبالله التوفيق:

التوَسّل بالنبيِّ صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم أمرٌ جائز، ومقرَّر شرعاً عند جمهور الفقهاء – الـمالكيّة[1]، والشّافعيّة[2]، ومتأخّري الحنفيّة[3]، وهو المذهب عند الحنابلة[4] -، بل هو مستحبّ، وقد دأب عليه المسلمون، وأهل السّنة والجماعة في كل حين[5]، وعمل به الصحابة رضوان الله عليهم، كما في صحيح ابن خزيمة[6]  وغيره: (كانَ عمرُ بن الخطاب إذا قحطوا خرج يستسقي بالعباس، فيقول: اللهمّ إنّا كُنّا إذا قحطْنا استسقينا بنبيك، فتسقينا، وإنا نستسقيك اليوم بعَمِّ نبيّك أو نبيّنا، فاسقنا، فيسقون). وإنما توَسَّلَ عمرُ بالعباسِ لقرابتِه مِنْ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحياة المُتَوَسَّلِ به أو موته لا علاقة لها بالتّوَسُّل؛ لأنّ القاضي للحاجة هو الله تعالى وحده، وهو حيّ لا يموت، وإنّما لم يتوَسّل عمرُ بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل.

وللتوَسّل بالنبيِّ صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم أدلة كثيرة ومتضافرة في كتبِ أهْل السنة، منها: حديث الأعمى المروي بسند صحيح، عن عثمان بن حنيف: أنّ رجلاً ضريراً أتى النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا نبيّ الله، ادْعُ اللهَ أنْ يعافيني، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنْ شئْتَ أخّرتَ ذلك، فهو أفضَل لآخرتك، وإنْ شئتَ دعوتُ لك»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، لَيْسَ لي قَائِدٌ، وقد شَقَّ عَلَيَّ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ائْتِ المِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ قُل: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ، وأَتَوَجَّهُ إليكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلى رَبِّكَ فَيُجَلِّي لِي عَنْ بَصَرِي، اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فيَّ، وَشَفِّعْنِي في نَفْسِي». قَالَ عثمان: فو الله ما تَفَرّقْنا، ولا طالَ بنا الحديثُ حتى دخل الرّجُلُ وَكَأَنَّهُ لم يَكُنْ به ضُرٌّ قطّ. رواه أحمد في مسنده[7] ، والحاكم في المستدرك[8].

وحديث واقعة ذِي قار المروي بسند حسن، عن خالد بن سعيد بن العاص، عن أبيه، عن جده قال: قدمت بكرُ بنُ وائل مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ائْتِهم فاعْرِضْنِي عليهم»، فأتاهم أبو بكر، فعرض عليهم، قالوا: حتى يجيء شيخنا، فلما جاء شيخهم قال: إن بيننا وبين الفرس حربا، فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم عدنا فننظر فيما تقول، فقال أبو بكر: أرأيت إن غلبتموهم أتتبعنا على أمرنا؟  قال: لا نشترط لك هذا علينا، ولكن إذا فرغنا عدنا فنظرنا فيما تقول، فلما التقوا يوم ذي قار هم والفرس، قال شيخهم: ما اسم الرجل الذي دعاكم إلى ما دعاكم إليه؟  قالوا: محمد، قال: فهو شعاركم، فنصروا على القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «بي نُصِرُوا». رواه الطبراني في المعجم الكبير[9].

وحديث ذكر الخروج إلى المسجد المروي بسند حسن، عن أبي سعيد الخدري قالَ: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَن خرَجَ من بيته إلى الصّلاةِ، فقال: اللهمّ إني أسألُكَ بحَقِّ السائلينَ عليكَ، وأسألُكَ بحَقِّ ممشاي هذا، فإنّي لم أخرجْ أشراً، ولا بطراً، ولا ريَاءً، ولا سُمْعةً، وخرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. أقبل الله عليه بوجهه، واستغفر له سبعون ألف ملك». رواه ابن ماجه[10].

وحديث توسل آدم عليه السلام المروي بإسناد صحيح، عن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لـمّا اقترَفَ آدمُ الخطيئةَ قال: يا ربِّ أسألُكَ بحَقِّ محمدٍ لَـمَا غفَرْتَ لي، فقال اللهُ: يا آدمُ، وكيف عرفْتَ محمداً ولم أخلقْهُ؟  قال: يا رَبِّ، لأنك لـمّا خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك، رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبا (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، فعلمت أنك لم تضفْ إلى اسمِكَ إلا أحبّ الخلق إليك، فقال اللهُ: صدقْتَ يا آدم، إنه لاحَبّ الخلقِ إليّ، ادعني بحقّه فقد غفرْتُ لكَ، ولولا محمد ما خلقتك». رواه الحاكم في المستدرك[11].

وحديث توسّله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه وبالأنبياء، المروي بسند لا بأسَ به، عن أنسٍ، قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد أم علي، دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجلس عند رأسها، فقال: «رحمك الله يا أمي، كنت أمي بعد أمي، تجوعين وتشبعيني، وتعرين وتكسونني، وتمنعين نفسك طيب الطعام وتطعميني، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة». ثم أمر أن تغسل، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور، سكبه عليها بيده، ثم خلع قميصه فألبسها إياه، وكفنت فوقه، فحفروا قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ، اضطجع فيه، وقال: «الله الذي يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها، بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي، فإنك أرحم الراحمين». رواه الطبراني في المعجم الأوسط[12]. وغير ذلك من الأحاديث الثابتة، المشتهرة والمنتشرة بين الناس، وهي كثيرة.

وقد ثبت عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله قولُه – أثناء شرحه آداب الزيارة لبعضِ تلامذته-: «وسل اللهَ حاجتَك متوسلاً إليه بنبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم تقضى مِنَ الله عز وجل» اهـ. وهذ الكلام ذكره في كتاب الرد على الأخنائي، نقلا عن منسك المروذي[13].

والخلاصة: أنّ مذهبَ أهل السنة والجماعة على صحّة التوسل وجوازه بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، في حياته وبعد وفاته، وكذلك بغيره من الأنبياء والمرسلين، والعلماء والصالحين، كما دلت عليه أحاديث ثابتة. خلافاً لمن أجازه بالنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فقط كالعزِّ ابن عبد السلام[14]. وخلافاً لمن أجازه بالنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في حياتِه فقط، أو من منعه مطلقاً ممّن لا يُعْتَدُّ بخلافِهم أصلاً. إذا لا يملك مَن يمنعون ذلك إلا محاولة الطّعْن في الأحاديث النبوية الثابتة؛ إما أن يطعنوا في الثبوت، وإما أنْ يطعنوا في الدلالة.

والكلام في مناقشة ذلك الصّنِيعِ يطول، وليس هذا محلّه، وبإمكانك الرجوع إلى الكتب والمؤلفات التي ألّفَتْ في هذه المسألة بخصُوصِها، منها: التأمل في حقيقة التوسل، ورسالة التوسل عند النبي والصحابة، وكتاب رفع المنارة في أحاديث التوسل والزيارة، وغيرها من المواقع التي تهتم بهذا الموضوع. والله تعالى أعلم.


[1] انظر ((مواهب الجليل في شرح مختصر خليل)) للحطاب الرعيني (3/265)، وانظر ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (3/54).

[2] انظر ((المجموع شرح المهذب)) للإمام النووي (5/70ـ71)،  وانظر ((شرح النووي على مسلم)) (17/56).

[3] انظر ((حاشية ابن عابدين على الدر المختار)) (6/397).

[4] انظر ((الفروع)) لابن مفلح (3/229).

[5] انظر ((فيض القدير)) للمناوي (2/134).

[6] ((صحيح ابن خزيمة)) (1421).

[7] ((مسند أحمد)) (17241).

[8] ((المستدرك على الصحيحين)) للحاكم (1930).

[9] ((المعجم الكبير)) للطبراني (5520).

[10] ((سنن ابن ماجة)) (778).

[11] ((المستدرك على الصحيحين)) للحاكم (4228).

[12] ((المعجم الاوسط)) للطبراني (189).

[13] ((الرد على الأخنائي واستحباب زيارة خير البرية)) لابن تيمية (صـ168).

[14] انظر ((فيض القدير)) للمناوي (2/134).