العيد والجمعة في يوم واحد

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

ورد إلينا سؤال يقول فيه السائل:

توافَقَ يومُ العيد لهذا العام مع يوم الجمعة في بلادنا، فحصل بين الناس خلاف: هل تُسقِطُ صلاةُ العيدِ صلاةَ الجمعة؟  بحيث أنها تصلى ظهراً، أم لا؟  ونرجو إن أجبتم بأنها تجزئ أو لا تجزئ أن يكون جوابكم مدعماً بدليل من أحد مصادر التشريع الرباني؛ لكي نزيل ذلك الخلاف الواقع حول هذه المسألة.

الحمد لله.. الجواب وبالله التوفيق:

إذا اجتمع يوم عيد ويوم جمعة فمذهب الشافعية[1] أن الجمعة تجب على أهل البلد، وتسقط عن أهل القرى والبوادي الذين حضروا العيد في ذلك البلد، ثم خرجوا منها قبل الزوال، واستدلوا على ذلك بما رواه الإمام البخاري في صحيحه[2] : عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، أنه قال في خطبته: ( أيها الناس، إن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحب أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له). قال الإمام النووي[3]: « والعالية قرية بالمدينة من جهة الشرق».

ومذهب الحنفية[4] والـمالكية[5]: أنه لا تسقط الجمعة عن أهل البلد، ولا عن أهل البوادي، واستدلوا على ذلك بعموم آية الجمعة، وبالأحاديث الواردة فيها، ولأن الأصل في الجمعة الوجوب.

وقال الحنابلة[6]: تسقط الجمعة عن أهل القرى وأهل البلد، ويجب الظهر، إلا الإمام، فلا تسقط عنه الجمعة، إلا إذا لم يكتمل العدد المعتبر فيصلوها ظهراً، واستدلوا لذلك بحديث زيد بن أرقم، فإنه قال: (شهدت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عيدين اجتمعا، فصلى العيد، ثم رخص في الجمعة، وقال: «مَن شاء أنْ يصَلّيَ فليصلِّ»)، رواه أبو داود[7] ، بإسناد جيد.

واستدلوا لذلك أيضاً بحديث ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «اجتمع عيدان في يومكم هذا، فمن شاء أجزأه مِنَ الجمعة، وإنّا مجمعون إنْ شاء الله»، رواه ابن ماجه في سننه[8]  بإسناد صحيح. واستدلوا كذلك بحديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: «قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون»، أخرجه أبو داود[9] ، والحاكم[10] ، وقال: (صحيح على شرط مسلم).

وهناك رواية أخرى في مذهب الحنابلة[11]، وهي أن الجمعة لا تسقط بحال، وهي موافقة لـما ذهب إليه جمهور العلماء. وقد أجاب الشافعية[12] عن الأحاديث التي استدل بها من قال بسقوط الجمعة، بأنها محمولة على أهل القرى التي لا تقام فيها الجمعة، لـما جاء في الرواية من قوله: «وإنا مجمعون»، يعني أهل البلد.

والخلاصة: أن جمهور العلماء اتفقوا على وجوب شهود الجمعة لمن اجتمعت فيه شروط وجوب الجمعة، وإن صادف يوم عيد؛ لعموم الآيات والأخبار الدالة على وجوبها؛ ولأنهما صلاتان واجبتان، فلم تسقط إحداهما بالأخرى، وأنها مثل الظهر مع العيد. إلا ما استثناه الشافعية، ممن حضر العيد من أهل القرى، ثم عاد إلى قريته قبل الزوال، والحنابلة أوجبوا الظهر ورخصوا في ترك الجمعة، في المشهور من مذهبهم. والله تعالى أعلم. 


[1] انظر ((بشرى الكريم)) للعلامة باعشن (صـ: 383).

[2] ((صحيح البخاري)) (5571).

[3] ((المجموع شرح المهذب)) (4/491).

[4] انظر ((حاشية ابن عابدين على الدر المختار)) (2/166).

[5] انظر ((الشرح الصغير)) للشيخ الدردير (1/516).

[6] انظر ((المغني)) لابن قدامة (2/265).

[7] ((سنن أبي داود))( 1070).

[8] ((سنن ابن ماجة)) (1311).

[9] ((سنن أبي داود)) (1073).

[10] ((المستدرك على الصحيحين)) للحاكم (1064).

[11] انظر ((المبدع في شرح المقنع)) لابن مفلح (2/170).

[12] انظر ((المجموع شرح المهذب)) للإمام النووي (4/492).