الإفطار بسبب الحمل

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

ورد إلينا سؤال تقول فيه السائلة:

أنا حامل بتوأم في الشهر الخامس، والطبيبة رخصت لي في الفطر؛ وإذا أردت الصيام فيجب أن أفطر إذا شعرت بأقل تعب، وأنا أريد أن أصوم، وأشعر أنه لا رخصة لدي في الفطر ما دامت الطبيبة لم تمنعني، وزوجي يرفض صيامي، ويقول: أنها لم تمنعني صراحةً؛ لأنها لا تريد أن تحرّم ما أحل الله، ويقول: أنها طلبت مني أن أفطر لأقلّ تعَب، وهو يعرف أني صبورة، ولن أفطر إلا في حال التعب الشديد، أما التعب البسيط فسأتحمله، مما قد يضرّ بالجنين، ويهددني بالخصام إذا صمت لأني عصيته.. فهل لي رخصة فعلا في الإفطار، ولو لم تمنعني الطبيبة صراحة؛ بناء على حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إنّ اللهَ وضَعَ عنِ الحُبْلى والمرضع الصّوم»[1]؟  وهل الأوجب عليّ إطاعة زوجي في الفطر؛ لأنه لا رخصة لدي في عصيانه؟  ولو لم يكن لي رخصة دون التجربة فأيّ حَدٍّ مِنَ التعب يجعلني أفطر؟


[1] انظر ((مسند أحمد )) (20326). 

الحمد لله.. الجواب وبالله التوفيق:

الحديث الذي ذكره السائل، رواه بالمعنى عدد من أصحاب السنن[1]، وخلاصة ما قاله العلماء أنّ الرخصة في جواز الفطر في رمضان تُنَاطُ بالمرض المبيح للتيمم[2]، ويلحق بالمريض المرضعة وكذلك الحامل، إن ظنّت أو أخبرها طبيب مسلم عدل أنه سيلحق بها أو بالجنين أو بالرضيع ضرَرٌ بسبب الصّوم.

قال الخطيب في «مغني المحتاج»[3]: « وأما الحامل والمرضع فيجوز لهما الإفطار؛ إذا خافتا على أنفسهما أو على الولد «اهـ، وقال الشيخ علي الشبراملسي[4]: موضحًا معيار الخوف المعتبر: «وينبغي في اعتماد الخوف المذكور أنه لا بد من إخبار طبيب مسلم عدل، ولو عدل رواية؛ أخذا ممّا قيل في التيمم» اهـ.

 فإن كان الأمر كذلك فيجوز لك، بل يجب عليك أن تفطري إن خفت هلاك الولد بالصوم، أما إذا كان الضرر مُتَوَهَّماً فلا يجوز الأخذ بالرخصة بمجرد الوهم، إلا إن شعرتِ بمشقة لا تحتمل عادة أثناء الصومفلك أن تفطري وتقضيه بعد ذلك.

وإذا لم يخبر الأطباء بأن الصوم سيعود عليك أو على جنينك بالضّرَر فيجب عليك الصوم، وليس للزوج أن يمنع زوجته من الصوم الواجب، وليس لها أن تفطر بتبريرِ طاعة الزوج ففي الحديث: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، رواه الطبراني في المعجم الأوسط [5]، وطاعة الزوج ترجع إلى نحو تسليم المرأة نفسها له، وملازمتها للمسكن، وليست مطلقة في كل شيء يأمر به الزوج ويريده.

وينبغي أن تأخذي بالرفق واللطف مع زوجك، وتستشيري الأطباءَ العدول حتى تطمئني، ويطمئن زوجك على أمان الجنين، فإن قلقه قد لا يكون نابعا إلا عن الشفقة والرحمة بك وبالجنين، والأمر بيد الله أولا وآخرا.

والخلاصة: أنّ الفقهاء اتّفقوا[6] على أنّ الحامل والمرضع لهما أن تفطرَا في شهر رمضان، بشرط أنْ تخافا مِنَ الضّرَر على أنفسهما، أو على ولدهما؛ لأنّه من الحامل والمرضع بمنزلة عضو منها، فالإشفاق عليه من الضّرَر كالإشفاق على أعضائها.

ثم إنّ عليها القضاء بلا فدية؛ إذا خافت على نفسها أو على نفسها مع الولد باتّفاق[7]، والقضاء معَ فدية – مُدّ طعام عن كلّ يوم – إذا أفطرت خوفا على ولدها، عند الحنابلة والشّافعيّة[8]، ولا تجب عليها الفدية عند الحنفيّة[9] والمالكيّة على تفصيل في المرضع عندهم[10]. والله تعالى أعلم.


[1]  انظر ((مسند أحمد )) (20326)، و((سنن أبي داود)) (2408)، و((صحيح ابن خزيمة)) (2042)، وغيرها من كتب السنن.

[2] انظر  (( بشرى الكريم)) للعلامة باعشن (صـ:558).

[3]  ((مغني المحتاج)) (2/174).

[4]  ((حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج)) للعلامة الرملي (3/194).

[5] ((المعجم الأوسط)) ( 4322).

[6] انظر ((الدر المختار)) للحصفكي (2/422ـ 423)، وانظر ((الشرح الكبير)) للشيخ الدردير (1/535ـ 536)، وانظر ((روضة الطالبين)) للإمام النووي (2/383)، وانظر ((المغني)) لابن قدامة (3/149).

[7] انظر المصادر السابقة مع الصفحة والجزء.

[8] انظر ((روضة الطالبين)) للإمام النووي (2/383)، وانظر ((المغني)) لابن قدامة (3/149).

[9] انظر ((الدر المختار)) للحصفكي (2/423)،

[10] انظر ((الشرح الكبير)) للشيخ الدردير (1/536)، وانظر ((الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني)) (1/309).