صنع الطعام بعد الموت

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

ورد إلينا سؤال يقول فيه السائل:

ما حكم ما اعتاد الناس عليه في زمننا؛ من صنع أهل الميت ضيافة وطعاما لثلاثة أيام بعد الوفاة، وجمع الناس عليه؟  نرجو توضيح المسألة مع ذكر الأدلة ونصوص العلماء – إنْ وُجِدَتْ – مع ذِكر المراجع.

الحمد لله.. الجواب وبالله التوفيق:

الأصل في السنة أنْ يصنعَ أقاربُ الميت – من غير أهله – وكذلك جيرانهم طعاما لهم، ويوصلونه إلى بيت أهل الميت، ويلحّون عليهم في الأكل منه؛ لكون أهل الميت قد أتاهم ما يشغلهم في الحسّ: من إعداد وترتيب الواجب عليهم من غسل وتكفين للميت وغير ذلك، وفي المعنى: من حُزنٍ وتوجع على فقد مصابهم.

وفي سنن أبي داود[1] : أنه لـما جاء نعي سيدنا جعفر رضي الله عنه حين استشهد بمُؤتة، قال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: «اصنعوا لآل جعفر طعاما؛ فقد أتاهم أمرٌ يشغلهم».

قال العلامة ابن حجر في «تحفة المحتاج» مع المنهاج[2]: «ويسن لجيران أهله – أي الميت – تهيئة طعام يشبعهم يومهم وليلتهم؛ للخبر الصحيح: «اصنعوا لآل جعفر طعاما؛ فقد جاءهم ما يشغلهم»، ويلحّ عليهم في الأكل ندبا؛ لأنهم قد يتركونه حياء، أو لفرط جزع..» اهـ المقصود نقله من كلام ابن حجر.

وأما عمل أهل الميت طعاما، ثم يدعون الناس إليه، ويطعمون منه مَن حضر مِنَ المعزّين، فهذا محلّ خلافٍ بين أهل العلم، فمنهم من يجيزه لحديث أبي داود[3]، وقد يحمِلُه على حالة الوصية. ومنهم من يمنعه لحديث جرير عند أحمد[4].

قال العلامة ابن حجر الشافعي في «تحفة المحتاج»[5] : «وما اعْتِيدَ من جعل أهل الميت طعاما ليدعوا الناس عليه بدعة مكروهة كإجابتهم لذلك؛ لـما صح عن جرير: (كنَّا نَعُدُّ الاجتماعَ إلى أهل الميّت، وصنيعةَ الطعام بعد دَفْنه، من النِّيَاحة)، ووجه عدّه من النياحة؛ ما فيه من شدة الاهتمام بأمر الحزن، ومن ثمّ كره اجتماع أهل الميت ليقصدوا بالعزاء.

قال الأئمة: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم فمن صادفهم عزّاهم، وأخذ جمع من هذا ومن بطلان الوصية بالمكروه بطلانها بإطعام المعزّين؛ لكراهته؛ لأنه متضمن للجلوس للتعزية وزيادة، وبه صرّحَ في الأنوار.. ومِنْ ثَمّ خالف ذلك بعضُهم، فأفتى بصحة الوصية بإطعام المعزين، وأنه ينفذ من الثلث، وبالغ فنقله عن الأئمة..» اهـ كلامه ملخصا.

فالذي يظهر من عبارة التحفة وجود الخلاف في عمل أهل الميت طعاما لمن يحضرهم للعزاء وغيره، وحمل بعضُهم الصّحّةَ على حالة الوصية كما يشعر به قوله: (ومن ثم خالف ذلك بعضُهم فأفتى بصحة الوصية.. إلخ)، وكونه ينفذ من ثلث التركة، وحمل الكراهة على حالة ما إذا لم يوصِ بذلك، بل قد يحرمُ ذلك من التركة إذا كان هناك محاجير يرثون الميت.

ولعل حالات الصحة قد يحمل عليها ما جاء في حديث أبي داود[6] : بسنده إلى عاصم بن كليب، عن أبيه، عن رجل، من الأنصار، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في جنازة، فرأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو على القبر يوصي الحافر: «أوسِعْ مِن قِبَل رجليه، أوسِعْ مِن قِبَل رأسِه»، فلما رجع استقبله داعي امرأة، فجاء، وجيء بالطعام، فوضع رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم يده، ثم وضع القوم، فأكلوا.. الحديث.

وهذا الحديث أورده التبريزي في كتابه مشكاة المصابيح[7] ، بسنده ومتنه بلفظ: ( فلما رجع استقبله داعي امرأته فأجاب، ونحن معه، وجيء بالطعام، فوضع يده، ثم وضع القوم، فأكلوا) اهـ.

وقال العلامة الملا علي القاري الحنفي – في كتاب مرقاة المفاتيح بشرح مشكاة المصابيح[8] -: « (فلما رجع) أي من المقبرة، (استقبله داعي امرأته) أي زوجة المتوفى». ثم قال: «هذا الحديث بظاهره يردّ على ما قرره أصحاب مذهبنا مِنْ أنه يكره اتّخاذ الطعام في اليوم الأول أو الثالث، أو بعد الأسبوع كما في البزازية، وذكر في الخلاصة: أنه لا يباح اتخاذ الضيافة عند ثلاثة أيام، وقال الزيلعي: ولا بأس بالجلوس للمصيبة إلى ثلاث، من غير ارتكاب محظور؛ من فرش البسط، والأطعمة من أهل الميت، وقال ابن الهمام: يكره اتخاذ الضيافة من أهل الميت، والكل عللّوه بأنه شرع في السرور، لا في الشرور. قال: وهي بدعة مستقبحة. روى الإمام أحمد وابن حبان بإسناد صحيح عن جرير بن عبدالله قال: (كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت، وصنيعهم الطعام من النياحة). انتهى ـ كلام ابن الهمام ـ، فينبغي أنْ يُقيّدَ كلامُهم بنوع خاص من اجتماع يوجب استحياء أهل بيت الميت، فيطعمونهم كرْها، أو يُحمل على كون بعض الورثة صغيراً أو غائباً، أو لم يعرف رضاه.. ونحو ذلك.

وعليه مجمل قول قاضي خان: يكره اتخاذ الضيافة في أيام المصيبة; لأنها أيام تأسف، فلا يليق بها ما يكون للسرور، وإن اتخذ طعاما للفقراء كان حسنا، وأما الوصية باتخاذ الطعام بعد موته؛ ليطعم الناس ثلاثة أيام فباطلة على الأصح، وقيل: يجوز ذلك من الثلث، وهو الأظهر « اهـ.

بل قد ذكر في مذهب مالك استحسانه إذا كان الاجتماع لأجل قربة، كقراءةٍ وذِكْر، قال شهاب الدين النفراوي الأزهري – في الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني[9]  -: «وأمّا ما يصنعُه أقاربُ الميت من الطعام، وجمع الناس عليه، فإن كان لقراءة قرآن ونحوها مما يُرجى خيره للميت فلا بأسَ به، وأما لغير ذلك فيكره، ولا ينبغي لأحد الأكل منه، إلا أن يكون الذي صنعه من الورثة بالغاً رشيداً فلا حرج في الأكل منه، وأما لو كان الميت أوصى بفعله عند موته فإنه يكون في ثلثه، ويجب تنفيذه» اهـ.

فتلخص مما ذكر أن هذه المسألة مختلف فيها، وأنّ مَن أحَبّ ترتيبها لنفسه بعد موته فالأولى أن يكون ذلك عبرَ وصيّة؛ ليدخل معَ مَن صحح فعلها من العلماء عبر الوصية، وفي الغالب أنه يتولّى بعضُ الورثة أو غيرهم تلك المؤن من قِبل نفسه، وتُصْنَع في غيرِ البيت، فلا يشتغل بها أهل الميت، فهي داخلة في حديث: «اصنعوا لآل جعفر طعاما[10]».

 وإنْ دعت الحاجة إلى إطعام الغير جازَ ذلك؛ لأنه قد يرِد عليهم من القُرَى والبوادي أناسٌ لا يسعهم إلا إطعامهم وإكرامهم؛ لبُعْدِ منازلهم، قال العلامة ابنُ قُدامة الحنبلي في كتابه «المغني»[11] : (.. وإن دعت الحاجة إلى ذلك جاز ؛ فإنه رُبّما جاءهم مَن يحضر ميّتهم مِنَ القُرَى والأماكن البعيدة، ويبيتُ عندهم، ولا يمكنهم إلا أنْ يضيّفوه) اهـ.

والذي ظهر لنا أنّ الخلافَ المذكور إنما هو خلاف لفظي، ويحمل كل حكم على حالة، ويمكن الجمع بينهما، فقد قال العلامة عبد الرحمن المشهور في كتاب «بغية المسترشدين»[12] (مسألة بن يحيى: اعلم أن العبارات الواردة في مسألة واحدة التي ظاهرها التنافي والتخالف إذا أمكن الجمع بينها من غير تعسف وجب المصير إليه، ويكون الأمر من المتفق عليه) اهـ.

وعليه: فيكون مِنَ النياحة إنْ قصَدَ بتلك الوليمة النياحة والتأسف على الميت، فحينئذٍ لا تصحّ الوصيّةُ به، أما إذا قصد به الصدقة عن الميت، وخلت عن المباهاة، والرياء، والتكلف، فينبغي استحبابها بلا توقف؛ وذلك لأنه لا يوجد خلاف بين المسلمين في وصول ثواب الصدقة للميت، كما جاء في صحيح مسلم [13]: عن عبدالله بن المبارك، أنه قال: (ليس في الصدقة اختلاف).

ثم إنّ إطعامَ الطعام من أفضل الصدقات، ففي صحيح البخاري[14] : عن عبد الله بن عمرو رضي اللهُ عنهما: أنّ رجلاً سأل النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم: أَيُّ الإِسْلام خَيرٌ؟  قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وتقرأُ السّلامَ على مَن عرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تعْرِفْ». وبما تمّ نقله تعلم الجواب. والله تعالى أعلم.


[1] ((سنن أبي داود))  (3132).

[2]  ((تحفة المحتاج)) (3/٢٠٧).

[3] ((سنن أبي داود ))  (3332).

[4] ((مسند أحمد)) (6905).

[5]  ((تحفة المحتاج)) (3/٢٠٧).

[6] ((سنن أبي داود ))  (3332).

[7]  (( مشكاة المصابيح)) (5942).

[8] (( مرقاة المفاتيح))  (5942).

[9]  (( الفواكه الدواني)) (١/٢٨٥).

[10] ((سنن ابي داود)) (3132).

[11]  (( المغني)) (٢/٤١٠).

[12]  (( بغية المسترشدين)) (صـ:15).

[13]  (( صحيح مسلم)) (١/١٦).

[14]  (( صحيح البخاري)) (12).