حكم بيع الدود لاستخراج الدواء منه

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

ورد إلينا سؤال تقول فيه السائلة:

ما حكم بيع الدود لاستخراج الدواء منه؟، وما حكم الدواء المستخرج منه؟،  نرجو تفصيل ذلك.

الحمد لله .. الجواب وبالله التوفيق : 

اتّفق الفقهاءُ[1] على عدم جواز بيع الحـشرات؛ لعدم وجود النفع فيها، واستثنوا بيع بعض الحشرات نظرا  إلى وجود بعض المنافع فيها، وخصوا من ذلك بيع بعض أنواع الدود، ما بين متفق عليه، ومختلف فيه، فمن ذلك:

أجاز الفقهاء من المذاهب الأربعة[2] بيع دودة القَزّ نظرا إلى وجود منفعة فيها؛ إذْ أنّها تنتج الحريرَ الذي هو أفخر وأغلى ملابس الدنيا، وأجاز الحنفية والشافعية والحنابلة[3] بيع دودة العلق نظرا لوجود منفعة فيها وهي: امتصاص الدم من الجسد مع كونها مالاً متمولا كما نصّ على ذلك الحنفية، ونقله ابن عابدين في حاشيته [4] .

وأفتى ابن عابدين الحنفي بجواز بيع دودة القرمز نظرا إلى وجود منفعة فيها وهي: صبغ الثياب بها، ولأنها صارت من أعز الأموال في زمانه. فقد قال في حاشيته[5] : « وأما حكم بيعها فينبغي جوازه كما أجازوا بيع السرجين للانتفاع به، وكذا بيع دود القز وبيضه؛ لأنه مال يضنّ به وهو المُفْتَى به، وكذا بيع النحل والعلق، مع تصريحهم بأنه لا يجوز بيع الهوام، وهذه الدودة -أي القرمز- عند أهل زماننا من أعز الأموال وأنفسها، والضّنة بها أكثر من دودة القز، وقد سمعت أن الدودة نوعان: نوع منها حيواني يخنق بالخلّ أو بالخمر، ونوع منها نباتي، والأجود في الصّبغ الأوّل، والله أعلم. اهـ .

وأجاز فقهاء المالكية بيع الدّيدان لطعم السّمك، والحنابلة[6] بيعها لصيد السمك لوجود النفع الجائز ؛ ففي حاشية الصاوي على الشرح الصغير[7] :  «(و) لا يصح أن يباع (ما بلغ) من الحيوان (السياق) – أي نزع الروح- بحيث لا يدرك بذكاة لو كان مباح الأكل لعدم الانتفاع به .. وكذا خشاش الأرض كالدود الذي لا نفع به»اهـ. 

قال الصاوي قوله: (الذي لا نفع به) احترز بذلك عن الدود الذي به النفع ، فإنه جائز ، مثل دود الحرير ، والدود الذي يتخذ لطعم السمك.» 

ويمكن أن تكون  بيع الدودة نظير ما ذهب إليه المالكية والحنابلة من جواز البيع لأنها صارت متمولة يستفاد من ثمنها ونظير ما ذكره ابن عابدين الحنفي في دودة القرمز . وكذا علّة المنع عند الجميع عدم الانتفاع فإذا صارت منتفعا بها زالت العلة كما حكوه في دودة القز والعلق. 

وقد قال النووي[8]: «قال أصحابنا الحيوان الطاهر المملوك من غير الآدمي قسمان: 

قسم : ينتفع به فيجوز بيعه كالإبل والبقر .. وكذلك القرد والفيل والهرة ودود القز والنحل فكل هذا وشبهه يصح بيعه بلا خلاف لأنه منتفع به.

 القسم الثاني: من الحيوان ما لا ينتفع به فلا يصح بيعه وذلك كالخنافس والعقارب والحيات والديدان والفأر والنمل وسائر الحشرات ونحوها , قال أصحابنا ولا نظر إلى منافعها المعدودة من خواصها لأنها منافع تافهة» اهـ. 

فقوله: (فكل هذا وشبهه يصح بيعه بلا خلاف؛ لأنه منتفع به) ظاهر فيما ذكر من جواز بيع الدود . وأما تربيتها فلا إشكال فيه ما دامت نافعة في الوجه الذي علقت به.

وأما حكم الدواء المستخرج من الدود: فالأصل نجاسته؛ لأنه إما جزء من حي وحكمه حكم ميتته , وإما مستخرج من باطن الحيوان؛ وهو نجس,  والنجاسات لا يجوز أن تستخدم علاجا إلا إذا عجز عن الطاهر , أو لم يجد غيره من الطاهرات بأن فقدها أصلا أو وجدت ولكن بها مخاطر وضرر على ذلك الإنسان بالتجربة أو بقول طبيب عدل, وقد نص العلماء على جواز العلاج بأبوال الإبل وغيرها من النجاسات عند فقد الطاهرات قال في التحفة  – من أثناء كلام له عن التداوي بالنجاسات-: «أما مستهلكة مع دواء آخر فيجوز التداوي بها كصرف بقية النجاسات إن عرف أو أخبره عدل طب بنفعها وتعينها بأن لا يغني عنها طاهر» اهـ.[9]

وفي كتاب مغني المحتاج: «وأما أمره صلى الله عليه وسلم العرنيين بـشرب أبوال الإبل فكان للتداوي، والتداوي بالنجس جائز عند فقد الطاهر الذي يقوم مقامه» اهـ [10]. والله أعلم بالصواب . 


[1] انظر ((الدر المختار)) للحصفكي مع ((حاشية ابن عابدين)) (5/68)، وانظر التاج والإكليل للغرناطي (6/64) ((والشرح الصغير)) للشيخ الدردير، وانظر (( روضة الطالبين)) للإمام النووي (3/353)، وانظر ((المغني)) لابن قدامة (4/194ـ195).

[2] انظر ((الدر المختار)) للحصفكي (5/68)، وانظر ((حاشية الصاوي على الشرح الصغير)) (3/24)، وانظر ((المجموع)) للإمام النووي (9/253)، وانظر ((المغني)) لابن قدامة (4/194).

[3] انظر ((الدر المختار)) للحصفكي (5/68)، وانظر ((المجموع)) للإمام النووي (9/248)، وانظر ((المغني)) لابن قدامة (4/194).

(4) (5/ 68)

(5)[1/330]

[6] انظر ((المغني)) لابن قدامة (4/194).

(7)((حاشية الصاوي على الشرح الصغير)) (3/24).

[8] ((المجموع)) (9/240).

(9)((تحفة المحتاج )) للعلامة ابن حجر (9/170).

(10)((مغني المحتاج)) للعلامة الخطيب (1/233).