ورد إلينا سؤال يقول فيه السائل:
يعتاد عامة الناس في بلادنا الصلاة على الميت فور تكفينه في الموضع الذي يتم فيه التكفين غالبا، ثم يهيأ للخروج به إلى موضع الصلاة ليصلي الناس عليه.. فما حكم هذه الصلاة عليه بعد تكفينه؟ ولـماذا لا يُكتفى بصلاة الناس عليه في المصلى أو المسجد؟ وما حكم إعادة الصلاة على الميت؟ وفي حالة أن تتم الصلاة في البيت، فهل يسقط فرض الكفاية عن الباقين؟ بمعنى أنه لا يطلب منهم أن يصلوا على الجنازة التي قد صُلِّي عليها؟
الحمد لله.. الجواب وبالله التوفيق:
ذكَرَ مفتي تريم العلامة الشيخ سالم بكير باغيثان في كتابه (القول المبين في تجهيز موتى المسلمين)[1] بعد مبحث الكفن للميت ما نصه: « ثم يوضع على هيئة الاحتضار، ويصلى عليه عقيب ذلك قبل الصلاة العامة» اهـ.
والحكمة في ذلك: الاحتياط؛ لتوقع تنجّس بدن الميت أو الكفن، قال في بغية المسترشدين[2] « مسألة: بن يحيى: تجب إزالة النجاسة غير المعفو عنها عن الميت، سواء الأجنبية والخارجة منه، قبل إدراجه في الكفن اتفاقاً، ولو من غير السبيلين، وكذا بعده في الأصح كغسل الكفن الملوث بها، ولا تصح الصلاة عليه حينئذ مع وجود الماء المزيل لها. وقال البغوي: «لا تجب الإزالة بعد الإدراج مطلقاً وإن تضمخ الكفن» اهـ. قلت: ورجحه في الإمداد، وقال باعشن: ولو لم يمكن قطع الخارج من الميت صح غسله والصلاة عليه، لكن يجب فيه الحشو والعصب على محل النجاسة، والمبادرة بالصلاة عليه كالسلس» اهـ.
وأما حكم إعادة الصلاة على الميت ممّن قد صلى عليه؛ ففيه خمسة أقوال في المذهب، والراجح منها عدم ندب الإعادة، وفي قول أنه تندب الإعادة، وفي قول آخر تنعقد نفلا.
وأما مَن لم يصلّ عليه فتقع صلاته فرض كفاية؛ لأنه لا يتنفل بها، فقد ذكر العلامة الخطيب الشربيني في كتابه «مغني المحتاج» بشرح المنهاج[3] خلاصة هذه المسألة بقوله: « ومن صلى على ميت منفردا، أو في جماعة، لا يعيدها، أي لا يسن له إعادتها على الصحيح؛ لأن الجنازة لا يتنفل بها، والثانية تقع نفلا. والثاني: يسن إعادتها في جماعة، سواء أصلى منفردا، أم في جماعة، كغيرها من الصلوات. والثالث: إن صلى منفردا، ثم وجد جماعة سن له الإعادة معهم؛ لحيازة فضيلتها، وإلا فلا. والرابع: تكره إعادتها. والخامس: تحرم، وعلى الأوّل لو صلى ثانيا وقعت صلاته نفلا، على الصحيح في المجموع، بل قيل: إن هذه تقع فرضا، كصلاة الطائفة الثانية.. « اهـ.
وأما قول السائل: (وفي حالة أن تتم الصلاة في البيت، فهل يسقط فرض الكفاية عن الباقين..)، فجوابه: ما ذكره في «المغني»[4] بقوله: (وأما من لم يصلّ، فتقع صلاته فرضا؛ لأنّ هذه الصلاة لا يتنفل بها، كما مر، فإن قيل: قد سقط الفرض بالأولى، فلا تقع الثانية فرضا، أجيب: بأن الساقط بالأولى عن الباقين حرج الفرض، لا هو، وقد يكون ابتداء الشيء غير فرض، وبالدخول فيه يصير فرضا، كحج التطوع، وأحد خصال الواجب المخير، وقد أوضح ذلك السبكي رحمه الله، فقال: فرض الكفاية إذا لم يتم به المقصود – بل تتجدد مصلحته بتكرر الفاعلين كتعلم العلم، وحفظ القرآن، وصلاة الجنازة؛ إذ مقصودها الشفاعة – لا يسقط بفعل البعض، وإن سقط الحرج، وليس كل فرض يأثم بتركه مطلقا) اهـ.
ومما تقدم ذكره عن العلماء رحمهم الله يُعلم أنّ تقديمَ الصلاةِ على الميت بعد تكفينه مباشرة احتياطٌ حسَنٌ، وأن إعادة الصلاة فيها سعة من الشرع؛ لتعدد أقوال أهل العلم في ذلك، وأنه لايزال فرض الكفاية قائما لكل مَن لم يُصلّ عليه؛ وإنْ كثر المصلون فهي لا تزال مطلوبة لكل من تمكن من الصلاة عليه. والله تعالى أعلم.