رجل اقترض مبلغا من بنك ربوي بشرط إرجاعه مع الزيادة, ووافق على ذلك , وحصل أن الرجل عمل بالمال المستقرض تجارة, وربح منها أرباحا وفيرة, ثم أرجع بدل المال المستقرض مع الزيادة المشروطة, وأراد أن يتحلل ويتوب عما فعله ,وتجارته مستمرة.. فما هو السبيل للتحلل والتوبة مما عمله ؟

نسأل الله تعالى أن يتقبل منه توبته، وأن يعينه على القيام بكل ما يتوجب عليه في هذه الحالة؛ فشأن المؤمن تجديد التوبة ودوام الاستغفار في كل نفس وحين.

وحيث والحال انه أراد التوبة، فعليه أن يندم على ما صدر منه من كل مخالف للشرع عموما، ومن هذه المعاملة خصوصا، وأن يعزم على أن لا يعاود فعل هذه الأعمال مرة أخرى.

ولحكم تجارته هذه وتبرئة ذمته من حقوق الخلق حالتان نبينها في الآتي:

الحالة الأولى: أن يكون شراؤه بعين الأموال التي أخذها من البنك؛ كأن قال اشتريت بهذه ــ وهي أموال البنك ــ؛ فالحكم في هذه الحالة بطلان البيع والشراء، وعدم ملكه لما اشتراه، وحيث قد أخذه وتصرف فيه ولم يمكنه رده بعينه..؛ فعليه ضمانه للبائع، وأما الأرباح الحاصلة ؛ فإن أمكنه رَد كل ربح تحصَّل عليه إلى البائع الذي اشترى منه..؛ فيجب عليه رده، وان لم يمكنه ذلك..؛ فتعتبر الارباح مالا ضائعا يجب صرفها إلى القاضي أو نائبه إن كان كل منهما أمينا يصرفونها في مصالح المسلمين، والا.. فتعطى لأصحاب الحل والعقد يصرفونها في ذلك , وإلا صرفها في مصالح المسلمين إذا كان أمينا عارفا بالمصالح وإلا صرفها لأمين يعرفها.

الحالة الثانية: أن يكون شراؤه بمال في ذمته من غير تعيين؛ كأن يقول: اشتريت بألف مثلا ويسكت، ثم يسلم ذلك المبلغ من مال البنك؛ والحكم في ذلك صحة العقد وملكه لما اشتراه، لكن يفسد تسليم المال الذي هو من مال البنك؛ لكونه غير مالك لهذا المال وكان الواجب عليه إرجاعه، وحينئذ يجب عليه إرجاع قيمة ما سلمه للبنك، وأما الارباح الحاصلة فهي ملكه يتصرف فيها كيف شاء، ومهما أمكنه أن يصرف تلك الارباح في كل أمر لا يباشر جسمه مثل ان يصرفه في كل ما يحرق كنفط وغاز.. فهو أولى وأحوط، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك »([1]).

وحيث كان الشراء لبعض الأموال بعين المال وبعضها في الذمة؛ فلكل شراء وربح حكمه على التفصيل المتقدم.

   وفي “حاشية الرملي على أسنى المطالب”: «لو اتجر الغاصب بالمغصوب أو بمال الغير في يده وديعة أو رهنا أو سوما أو عارية بغير إذن المالك فإن باع أو اشترى بعينه بطل ولا يملك العوض، وإذا تسلم وفات غرم المثل أو القيمة، وما حصل من الربح إن أمكن رده إلى صاحب كل عقد رده، وإلا فهو مال ضائع، ولو أسلم أو اشترى في الذمة وسلم المغصوب صح العقد وفسد التسليم ولا تبرأ ذمته من الثمن ويملك الغاصب ما أخذ وأرباحه» اهـ([2]).

وفي “حاشية الشبراملسي على النهاية”: «(قوله: فإن اشترى بالعين بطل) أي والزيادة للبائع، فإن جهل كان ذلك من الأموال الضائعة وأمرها لبيت المال» اهـ ([3]).

والخلاصة: أنه إن كان الشراء بعين مال البنك.. فالشراء غير صحيح ولا يملك ما اشتراه، والمال المُشترى يجب عليه ضمانه للبائع، و الارباح للبائع أيضا إن أمكن ردها، والا.. فهي لبيت المال.

وإن كان الشراء في ذمته-كما هو الغالب المتعامل به-، ثم سلّم من مال البنك فالشراء صحيح ويملك ما اشتراه، لكن التسليم فاسد ويجب عليه ضمانه للبنك، والارباح ملك للمشتري.

 وإن كان الشراء للبعض بعين المال والبعض في الذمة؛ فلكل شراء وربح حكمه.. والله  تعالى أعلم.

1
سنن الترمذي، رقم: (2518).
2
حاشية الرملي على أسنى المطالب (2/ 357).
3
حاشية الشبراملسي (5/ 184).

شارك الآن على:

Facebook
Twitter
LinkedIn