سئل -متع الله به-: عن رجلٍ عنده لآخر دَينٌ إلى أجلٍ معلوم، ثم احتاج ثانياً، وقال له صاحبُ الدَّين: ما أعطيك الدراهم إلا وهي والدَّين المتقدِّم يكون سَلَماً، ثم أخذَها وحسبُوها مع المتقدِّمة من غير حضور المتقدِّمة سَلَماً، أفيدونا هل العقد صحيح أم باطل؟ وماذا يثبت لصاحب الدَّين على المديون ؟

إنَّ عقد السلم المذكور فيما قابل الدَّين المتقدِّم الذي بطرف المسلَم إليه باطل قطعاً إذا لم يُحْضِرْهُ المَدينُ الذي هو المسلَم إليه ويَقبِضُه المسلمُ أولاً، ثم يسلِّمه له في مجلس العقد، وأما ما قابل رأس المال الذي سلَّمه الآن في مجلس العقد المذكور فالظاهر أنه يجري فيه قولا تفريقِ الصَّفَقَةِ، والمعتمد منهما: أنه يصِحُّ في قَدْرِ ما قابَلَه فقط، دون ما قابل الدَّين الذي هو باقٍ بذِمَّته تفريقاً لها؛ وذلك لأنه يشترط في صحة السَّلَم تسليمُ رأس مال السَّلَم في المجلس، وهذا لم يسلِّم فرانصَهُ، فإنَّ الدَّاين لا يملك الدَّين قبل قبضِه من المَدِين، فكيفَ يصحُّ أن يجعلَه رأسَ مالِ سَلَمٍ! وأيضاً فلا يصحُّ أن يقبِضَ من نفسه لنفسه، ولهذا صحَّ جعلُ الودِيعةِ والمُعارِ ونحوِهما كالمستام رأس مال السلم وان لم يقبض، ودلائلُ ما ذكرناه واضحة في كتب أصحابنا الشافعية، وعبارة النهاية للجمال الرملي: (وأفهم كلامُ المصنِّفِ أنه لو قال: أسلَمتُ إليك المائةَ التي في ذِمَّتِك مثلاً في كذا، أنَّه لا يصِحُّ السَّلَمُ وهو كذلك)[2] انتهت. ونحوها عبارة المغني[3] وشرح الروض[4] وعلته ما ذكرناه[1].
ويشهد لما ذكرناه من تفريق الصفقه قول ((التحفة)):(فإن فارقه -يعني مجلس العقد- أحدُهما بطَلَ فيما لم يقبض؛ لأنه عَقدُ غَرَرٍ، فلا يُضَمُّ إليه غَرَرُ التأخير، وثبت الخيارُ فيما إذا قبض البعضَ فقط على الأوجه، خلافا للسبكي كابن الرفعة لتفريق الصفقة) اهـ [5].
وقول السائل: وماذا يثبت لصاحب الدَّين على المديُون جوابُه: متى اجتمعت شروطُ السَّلَمِ لزِمَ المَدِينُ -الذي هو المُسلَمُ إليه- تسليمُ الشيء المسلَمِ فيه عند حلُوله إن كان مُؤَجَّلاً، وفي الحال إن كان حالاً. وأما ما قابلَ الدَّينَ المتقدِّم الذي لم يُقْبَضْ، الذي قلنا ببطلان السَّلَم في قدره فبان في ذِمَّتِه يلزمُه أداؤه عند حلول أجله المعلوم بينهما، والله أعلم بالصواب.

1
الرملي، ((نهاية المحتاج)) (4/ 184).
2
الخطيب الشربيني، ((مغني المحتاج)) (3/ 4).
3
زكريا الأنصاري، ((أسنى المطالب في شرح روض الطالب)) (2/ 122).
4
وهي: تعذر قبض رأس المال من نفس المسلم إليه. زكريا الأنصاري، أسنى المطالب (2/ 122).
5
ابن حجر، ((تحفة المحتاج)) (5/ 5).

شارك الآن على:

Facebook
Twitter
LinkedIn