تأجير الحج لسنوات ماضية

وسئل -رضي الله عنه-: عمَّن أوصى أن يحجَّ عنه كلَّ سنة ويعتمِر ويسلِّم على النبي صلى الله عليه وسلم بمائة ريال، ولم يتمكَّنْ بعض السنين من ذلك، فأجَّرَ الوصيُّ اثنين يحُجَّان عن الموصي عن سنتين ماضيتين هذا العام فهل يصح أم لا ؟

لم أَرَ نقلاً في المسألة بعينِها، والذي يظهر الجواز والصحةُ، بل الوجوبُ، ثم رأيت الشيخ ابن حجر صرَّح بالوجوبِ في نظير المسألة وعبارة ((فتاويه)): سئل رضي الله عنه: فيمن وقف نخلاً مثلاً أو أوصى به على أن تباع غَـلَّتُه ويُسبَّلَ منها كل سنة في رمضان قِربةُ ماءٍ ويُسرَجَ منه سراجٌ بالليل فيه، ثم إن القيِّم بذلك تركه في بعض الليالي عمداً أو سهواً لعذر أو لغيره أو لم يعلم أنها أول ليلة من رمضان عند أهل تلك البلد، فهل يجب على القيم بذلك أن يبادر بقضاء ذلك فيُسرِجُ سراجين إنْ فاتَه ذلك في ليلة مثلاً، ويَسقي قربتي ماءٍ؟ وهل يتعين القضاء في رمضان أو يجوز تأخيره إلى غيره من الشهور؟ أو يُفَرَّق بين تركه لعذر فيجوز التأخير أو لغيره فلا يجوز؟ وهل يُفَرَّقُ في ذلك بين الوقف والوصية أم لا ؟
فأجاب: (أفتى النووي رحمه الله تعالى في واقف شرَط أن يفرِّق في وقتٍ كعاشوراء أو رمضان فتأخر عن ذلك الزمان، بأنه لا يؤخر إلى مثله من قابل بل يتعيَّن صرفُه عند الإمكان اهـ[1].
ومحلُّه كما هو ظاهر إنْ لم يشرط كذا لصوَّام رمضان، فإن قال ذلك، وأخَّرَ عنه وجبَ تأخيره إلى رمضان الثاني، ليصرف إلى صوَّامه؛ لأنه قُيِّدَ بفَرضٍ مخصوصٍ مقصود مغاير للزمن لا يوجد إلا في رمضان، بخلاف ما لو قال: يُصرَفُ في رمضان؛ لأنه لم يعينه لجهة مخصوصة مقصودة، وإنما نصَّ على زمن، والزمن من ضروريات الصرف، فلم يتعيَّن مثل ذلك الزمن عند فواته، بل جاز الصرف في غيره؛ لأنه لا حقَّ يتعلَّقُ بأحدٍ بطريق القَصد حتى تؤخر إليه.
إذا تقرَّر ذلك .. فإن قال: يُسرَجُ أو يُسَبَّلُ في رمضان، ثم فات ذلك فيه ولو عمداً أو سهواً لعذر أو غيره .. لزِمَهُ أَن يُسرِجَ أو يسبِّلَ عند الإمكان على الفور في غيره، ولا ينتظر رمضان الثاني، وإن قال: يُسرجَ على قوَّام رمضانَ أو يسبَّلُ لصوَّامِهِ أو للمفطرين من صَومِهِ، ففاتَ ذلك في رمضان .. تعيَّن التأخير إلى رمضان الثاني لما تقرر.
وفي الحالة إذا أخَّرَ عن ليلة في رمضان لعذر أو غيره لزمه أن يقضيه فيه عند التمكُّنِ؛ لأنه أولى من غيره، ولا فرقَ في ذلك بين الوقف والوصية؛ لاتحادهما في أكثر المسائل والله سبحانه وتعالى أعلم) انتهت عبارة الفتاوى[2]، وهي تؤيد ما ذكرناه من الوجوب والله أعلم بالصواب.

1
ينظر: النووي ((الفتاوى)) (ص: 158).
2
ابن حجر، الفتاوى الفقهية الكبرى (3/ 240).

شارك الآن على:

Facebook
Twitter
LinkedIn