وسئل -نفع الله به-: عمَّن اشترى قطعتي أرض معيَّنة مُحتَـفَّة [1] بملك البائع أو بملك غيره بأَنْ كان البناء محتفاً بها من كل جانب هل يصح البيع أم لا؟
فأجاب بقوله:
إنَّه لا يخلو الحال بين أن يمكن المرور حال العقد أم لا، فإن لم يتأتَ المرور حينئذ؛ لعدم وجود منفذ في الحال؛ بوجود نحو حائل بطل البيع، وإن أمكن اتخاذ ممر له بعد ذلك؛ لعدم الانتفاع به حالاً.
ويفرَّق بينه وبين ما لو باع داراً واستثنى له بيتاً منها [2] .. فإن البيع يصحُّ وإن نفى الممر، إن أمكن اتخاذ ممرٍّ بعد، بأن هذه استدامة ملكه [3]، وتلك فيها نَقلُ ملك له، ويُغتفر في الاستدامة ما لا يُغتفر في الابتداء.
وإن أمكن المرور حالتئذ والحال أنه محتفٌ بملك البائع .. فلا يخلو الحال من أن يشرُط المرور له من كلِّ جانب، أو من أحدِها، أو يقول: بعتُك هذه القطعةَ مثلاً بحقوقها [4]، أو يطلق بأن لم يذكر الممر أصلاً، أو ينفيه، فهذه خمس حالات:
ففي الحالة الأولى [5]: يصحُّ البيع، وله المرور من كل جانب.
وفي الثانية [6]: لابدَّ أن يعيِّن الجهة، فإن لم يعيِّنْها بطل البيع؛ لاختلاف الغرض باختلافهما.
وفي الثالثة [7]: يصِحُّ، وله المرور من كل جانب.
وفي الرابعة [8]: يصح، وله المرور من كل جانب كذلك، ما لم يلاصق المبيع ملك [المشتري] [9] أو الشارع، وإلا مرَّ منه فقط.
وفي الخامسة [10]: يبطل البيع لعدم الانتفاع.
هذا حاصل ما تحصَّل لنا من عبارة التحفة ملخَّصاً وعبارتها: ولا يصح بيع بيت أو أرض بلا ممر، بأن احتف من جميع الجوانب بملك البائع، أو كان له ممر ونفاه، أو بملك المشتري أو غيره؛ لعدم الانتفاع به حالاً، وإن أمكن اتخاذ ممر له بعد [11].
ويفرق بينه وبين ما مر في الجَحْشِ الصغير [12] بأن هذا صالح للانتفاع به حالاً، فلم يكتف فيه بالإمكان، بخلاف ذاك، وفارق ما ذُكِرَ أولاً ما لو باع داراً واستثنى لنفسه بيتاً منها فإن له الممر إليه إن لم يتصل البيت بملكه أو شارع، فإن نفاه صحَّ إن أمكن اتخاذ ممر، والا فلا، بأَنَّ هذه استدامة ملكه، وتلك فيها نقل ملك له، ويغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في الابتداء.
وإذا بيع عقارٌ وخُصِّصَ المرور إليه [13] بجانب اشترط تعيينه، فلو احتَفَّ بملكه من كل الجوانب وشرط للمشتري حق المرور إليه من جانب لم يعيِّنه بطل؛ لاختلاف الغرض باختلاف الجوانب، فإن لم يُخَصِّص بأن شرطه [14] من كل جانب أو قال بحقوقها أو أطلق البيع ولم يتعرض للممر صَحَّ، ومَرَّ إليه من كل جانب.
نعم، في الأخيرة محلُّه إن لم يلاصق الشارع أو ملك المشتري وإلا مرَّ منه فقط [15] . اهـ المقصود من عبارتها. وهو موافق لما لخَّصناه.
ولينظر فيما لو كان المبيع محتفّاً بملك الغير مع إمكان المرور منه حالة العقد هل يبطل مطلقاً؟، وإن أمكن بعدُ باستئجارٍ ونحوه من الغير؛ لعدم الانتفاع به حالاً، أو يصح للإمكان المذكور؟، والذي يظهر للفقير الأول وهو البطلان؛ لعموم العلَّة التي ذكرناها فتدبر.
وفي ((الأنوار)) [16]: (وإبهام ممر الأرض كإبهام نفس المبيع، ولا يصحُّ بيع الأرض والدار حتى يكون الممرُّ معلوماً، فلو باع أرضاً محفوفة بملكه من جميع الجوانب أو بيتاً معيناً من دار وشرط للمشتري حق الممر من جانب ولم يعيِّنه .. بطل، وإن عيَّنَ من جانب أو من جميع الجوانب أو أطلق البيع ولم يلتصق المبيع بشارع ولا بعقار للمشتري، أو قال: بعتكها بحقوقها .. صحَّ، وله الممر في الجوانب كلها إلا في الصورة المتقدمة [17]. ولو كان المبيع ملتصقاً بشارع أو بملك المشتري .. لم يكن للمشتري الممر في ملك البائع إلا بالتنصيص، ولو باع داراً سِوَى بيت من بيوتها وأطلق أو شرط المرور فيها .. صحَّ وله حقُّ المَمَرِّ، وإن نفى فإن التصق بشارع أو بعقارٍ له .. صحَّ وإلا .. فلا) اهـ، والله أعلم.
مراجع: