ورد إلينا سؤال يقول فيه السائل:
ما حكم أكل اللحوم المستوردة من الخارج وخصوصا الدجاج؛ وذلك لكثرة الكلام الموجود بين الناس على الدجاج وحكم أكله؟ مع العلم أنه حصل أن بعض الناس اشتروا منه فوجدوا الرأس متصلا غير مذبوح؟
الحمد لله الجواب وبالله التوفيق:
تحدث العلماء عن حكم هذه المسألة من جهات متعددة من أهمها : جهة الذابح، وطريقة الذبح.
فأما الأولى وهي: الذابح فيشترط فيه أن يكون مسلما أو كتابيا يحل ذبحه ومناكحته، والكتابي الذي يحل ذبحه هو: من كان اسرائيليا يقينا والاسرائيلي هو: المنتسب إلى سيدنا يعقوب عليه السلام يهوديا أو نصرانيا ، ولم يعلم دخول أول آبائه الديانة بعد النسخ والتبديل، أو غير اسرائيلي: وعلم أن أول آبائه دخل إلى ذلك الدين قبل النسخ والتبديل أو بعد التبديل ولكن اجتنبوا المبدل؛ (وهذا من الشروط الصعبة كما ذكر العلماء)، و يحصل العلم بذلك بنحو عدد التواتر المخبر بذلك،
قال تبارك وتعالى : {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ…}، وفي التحفة مع المنهاج : (9/ 314) : (وشرط ذابح، وصائد) ، وعاقر ليحل نحو مذبوحه (حل مناكحته) أي: نكاحنا لأهل ملته لإسلامهم، أو كتابيتهم بشروطهم، وتفاصيلهم السابقة في النكاح..)اهـ .
وأما الثانية منها: وهي طريقة الذبح، فيشترط في ذبح الحيوان وإماتته: أن يكون بقطع الحلقوم والمريء بذي حدّ يجرح، لا بنحو صعقة كهربائية أو ضرب في الرأس، فلا يحل الحيوان بذلك.
وقد قرر العلماء أن الأصل في المنافع الإباحة إلا ما كان من باب الحيوان فالأصل فيه التحريم , قال الإمام النووي في شرحه على مسلم (13/ 78) عند حديث : ( وإن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله )”فيه بيان قاعدة مهمة وهي: أنه إذا حصل الشك في الذكاة المبيحة للحيوان.. لم يحل؛ لأن الأصل تحريمه وهذا لا خلاف فيه”اهـ .
فإذا علم ما تقدم فإن من سلوك المسلم الابتعاد عن كل ما فيه شبهة؛ فضلا عما تقتضي فيه القواعد التحريم, ومما يقوي الشبهة في ذلك توارد الاخبار والمقاطع المصورة في كيفية إزالة روح الحيوان في الشركات، وأنها لا تراعي حكم الشرع في كيفية الذبح ولا في شروط الذابح، ومنها ما ذكر في السؤال: من وجود الرأس متصلا بالجسد؛ وفي الحديث الحسن: (( دع مايريبك إلى مالا يريبك )).
إضافة إلى أن من فروض الكفاية أن يكفي المسلمون بعضهم بعضا في جميع احتياجاتهم , وأن من المقاصد الشرعية أن تذهب أموالهم وأرباحهم لهم يستعينون بها على سد حاجاتهم للقيام بمهامهم العظيمة في الأرض, ولا تذهب أموالهم إلى غير المسلمين.
كما أن من المهمات في الشريعة مراعاة المسلم لما يدخل إلى بطنه ولما ينمو به جسده, وقد حرص السلف الصالح على أن لا يدخل إلى بطونهم إلا ما كان حلالا واضحا, وفي الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا، إني بما تعملون عليم} وقال: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} , ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ )) .
وبحمد الله تعالى مامن محرّم أو مشتبه فيه إلا وله بدائل تقوم مقامه وتفوقه مما هو حلال في الشريعة المطهرة, وسواء ذلك في بلاد المسلمين أو في غيرها .. والله تعالى أعلم.