الاستحقاق بعادة لا يعلم أوائلها

ما قولكم في ساقية لإنسان تنزع الماء إلى ملكه وبجوانب الساقية المذكورة أرض لشخص آخر يعتاد صاحب الساقية هو ومن تلقى عنهم الملك منذ أزمان قديمة لا تعلم أوائلها حيثة الساقية المذكورة وإلقاء طين الحيثة بالأرض التي بجوانبها، فأراد صاحب الأرض منعه من ذلك… فهل له منعه أو لا؟

لا يجوز لصاحب الأرض منع رب الساقية مما ذكر والحال ما ذكر السائل من كونه اعتاد هو ومن تلقى عنهم الملك منذ أزمان قديمة لا تعلم أوائلها إلقاء طين الحيثة بتلك الأرض؛ وذلك لأن العادة القديمة التي لا تعلم أوائلها مما يثبت بها الاستحقاق؛ إذ الأصل في وضع اليد إذا لم يعلم حدوثها أنه بحق، ولهذا صُدِّق ذو اليد فيما لو تنازعا نحو ممر في ملك الغير أهو عارية أو إجارة أو بيع مؤبد في حالة عدم العلم بابتداء حدوثه في ملكه.

نعم؛ إن ادعى صاحب الأرض حدوث عمل صاحب الساقية في ملكه وادعى صاحب الساقية أنه بعادة قديمة لا يعلم لها ابتداء فالقول قول مدعي الحدوث بيمينه؛ لأن الأصل في كل حادث تقديره بأقرب زمن. ومثله ما لو أقام بينة على ما ادعاه من الحدوث فلو أقام الآخر بينة بالقدم قدمت؛ لأن معها زيادة علم، قال في غاية تلخيص المراد من فتاوى ابن زياد لسيدنا الحبيب العلامة عبد الرحمن بن محمد المشهور رضي الله عنه:

( (مسألة) استحق مرور الماء لسقي أرضه في أرض جاره بعادة قديمة لا يعرف لها ابتداء فزرعت الأرض دام استحقاقه وإن تضررت بذلك)[1] انتهى.

وقال في مختصـر فتاوى بامخرمة لابن قاضي:

( (مسألة ع) من له ساقية يعتاد طرح ترابها على سوم جربة غيره وثبت بطريق شرعي استحقاقه الطرح المذكور مُنِعَ مالك السوم من فعل ما يمنع هذا الطرح فليس له أن يجعل تراب جربته عليه حيث ضر صاحب الساقية ولا يتجاوز صاحب الساقية السوم في الطرح، فلو سال منه إلى الجربة لزمه رفعه إذا طالبه، كمن انتشرت أغصان شجرته إلى أرض جاره سواء كان سيلانه لعدم تحرزه في الموضع أو لنحو مطر)[2] انتهى.

فقول ابن زياد استحق مرور الماء لسقي أرضه في أرض جاره بعادة قديمة لا يعلم لها ابتداء دال على أن العادة القديمة التي لا يعلم لها ابتداء مما يثبت به الاستحقاق فهو من أفراد ما أشار إليه أبو مخرمة بقوله: (وثبت بطريق شرعي استحقاقه الطرح المذكور).

وإذا لم يجز لمالك السوم والحال ما ذكر فعل ما يمنع ذلك الطرح كجعل تراب جربته عليه فعدم جواز منع صاحب الأرض في واقعة السؤال لربّ الساقية من الطرح والحال ما ذكر السائل من باب أولى.

وقال في التحفة أثناء فصل التزاحم على الحقوق المشتركة ما لفظه:

(ولو اختلفا في ممر وميزاب ومجرى ماء ونحوها في ملك الغير أهو إعارة أو إجارة أو بيع مؤبد فإن علم ابتداء حدوثه في ملكه صدق المالك؛ لأنه لاحق للآخر في ذلك وإلا صدق خصمه أنه يستحق ذلك وكلام البغوي الموهم لخلاف ذلك من إطلاق تصديق المالك حمله الأذرعي على ما إذا علم حدوثه في زمن ملك هذا المالك) انتهى، (قوله (هذا المالك) أي أووارثه كما مر عن الشبرملسـي. انتهى عبدالحميد)[3].

وفي غاية تلخيص المراد أيضاً ما صورته:

( (مسئلة) ميزابان يجريان إلى دار جاره فادعى المجري أنه بعادة قديمة لا يعلم لها ابتداء وادعى الجار أنهما محدثان، فالقول قول مدعي الحدوث بيمينه؛ لأن الأصل في كل حادث تقديره بأقرب زمن، فلوأقاما بينتين قدمت الشاهده بالقدم) انتهى.

ومنه يؤخذ ما ذكرنا في صدر الجواب، والله أعلم بالصواب.

وكتبه: الحقير محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم عفا الله عنه ولطف به آمين.

الحمد لله، الجواب صحيح مقرر. وكتبه الفقير سالم بن سعيد بكيّر سامحه الله بمنه.

1
انظر: بغية المسترشدين بهامشها فتاوى ابن  زياد (صـ171).
2
انظر: مختصر فتاوى بامخرمة لابن قاضي (صـ186) مخطوط.
3
انظر: حواشي التحفة (5/223).

شارك الآن على:

Facebook
Twitter
LinkedIn