السؤال:
ما قولكم في ناظر وقف يأخذ نصف الغلة يزعم أنها أجرته وجرت بها العادة ولو كان أقل من النصف لم يقبله ولم يحفظه ولا أجرة لأمثاله إلا النصف بزعمهم ذلك من قديم، فما الحكم؟
الحمد لله، ونطلب منه التوفيق للصواب، (الجواب):
ذكر العلماء — نفعنا الله بهم — أنه إن شرط الواقف للناظر شيئاً اتبع شرطه، وإن زاد المشروط على أجرة المثل ما لم يكن الناظر هو الواقف، فإن كان هو تقيد بأجرة المثل. وإن لم يشرط له أجره فلا شيء له، نعم: له رفع الأمر إلى الحاكم ليقرر له الأقل من نفقته وأجرة مثله على معتمد ابن حجر، أو أجرة المثل مطلقاً على معتمد الرملي. وليس له الاستقلال بأخذ الأجرة من غير رفع إلى القاضي، إلا على ما أفتى به ابن الصباغ من أن له الاستقلال بذلك من غير حاكم، على أن العلامة السيد عمر البصري ذكر أنه يحتمل حمل كلام ابن الصباغ على عدم وجود الحاكم أو عند تعذر الرفع إليه — كما سيأتي. فإن أخذ الناظر شيئاً من غير فرض قاضٍ ضمن؛ كما في حاشية الشبراملسي نقلاً عن شيخه الزيادي.
وفي حاشية الجمل على فتح الوهاب نقلاً عن الحلبي:
(قالوا ولم يبرأ إلا بإقباضه للحاكم)[1] انتهى.
قال ابن حجر في التحفة:
(وللناظر ما شرط له من الأجرة وإن زاد على أجره مثله ما لم يكن الواقف كما مر، فإن لم يشرط له شيئاً فلا أجرة له، نعم له رفع الأمر إلى الحاكم ليقرر له الأقل من نفقته وأجرة مثله كولي اليتيم؛ ولأنه الأحوط للوقف، وأفتى ابن الصباغ بأن له الاستقلال بذلك من غير حاكم)[2] انتهى.
وقال الجمال الرملي في النهاية:
(نعم له رفع الأمر إلى الحاكم ليقرر له أجرة قاله البلقيني، قال تلميذه العرافي في تحريره: ومقتضاه أنه يأخذ مع الحاجة إما قدر النفقة له كما رجحه الرافعي، ثم أو الأقل من نفقته وأجرة مثله كما رجحه النووي، قال الشيخ: وقد يقال التشبيه بالولي إنما وقع في حكم الرفع إلى الحاكم لا مطلقاً فلا يقتضي ما قاله، وكأنّ مرادهم أنه يأخذ بتقرير الحاكم على أن الظاهر هنا أنه يستحق أن يقرر له أجرة المثل وإن كان أكثر من النفقة، وإنما اعتبرت النفقة ثم (أي في الولي ع ش) لوجوبها على فرعه سواء أكان ولياً على ماله أم لا بخلاف الناظر)[3] انتهى.
إذا علمت هذا ظهر لك جواب السؤال، وهو: أنه إن شرط الواقف للناظر شيئاً اتبع شرطه، وأن لم يشرط له شيئاً فليس له الاستقلال بأخذ الأجرة، وإنما يرفع الأمر إلى الحاكم ويقرر له الحاكم الأقل من أجرة المثل أو النفقة على معتمد ابن حجر، أو أجرة المثل مطلقاً على معتمد الجمال الرملي. فإن كان نصف الغلة هو الأقل قرره له، وإن زاد لم يقرر له إلا الأقل على معتمد الأول، وإن كان نصف الغلة هو أجرة المثل قرره له على معتمد الثاني، وإن كان أكثر من النفقة وإن زاد لم يقرر له سوى أجرة المثل.
وأما استقلاله بالأخذ من غير رفع إلى الحاكم فغير جائز، ففي حاشية الجمل على فتح الوهاب ما مثاله:
(وليس له — أي الناظر — أن يأخذ من مال الوقف شيئاً بغير فرض قاض، فإن أخذ شيئاً ضمنه ولم يبرأ إلا بإقباضه للحاكم. انتهى حلبي)[4].
ومثله في حاشية الشيخ علي الشبراملسي نقلاً عن شيخه الزيادي:
(زاد عقب قوله (للحاكم): وهذا هو المعتمد رملي. انتهى. وقضية قوله (للحاكم) أنه لا يبرأ بصرف بدله في عمارته أو على المستحقين، وهو ظاهر)[5] انتهى.
قال عبد الحميد بعد نقله عبارة علي الشبراملسي:
(ومر عنه ما نصه: ومحله ما لم يخف من الرفع إلى الحاكم غرامة شيء، فإن خاف ذلك جاز له الصرف بشرط الإشهاد، فإن لم يشهد لم يبرأ؛ لأن فقد الشهود نادر) انتهى. قوله (لم يبرأ) أي في ظاهر الشرع فقط) انتهى.
وقال أيضاً على قول التحفة (قوله نعم له رفع الأمر إلى الحاكم .. الخ):
(قد يقال: ما الحكم لو فقد الحاكم بذلك المحل أو تعذر الرفع إليه لما يخشى منه من المفسدة على الوقف؟ فهل له الاستقلال بما ذكر أو لا؟ محل تأمل. وعلى الأول فيحتمل أن يكون هو محمل كلام ابن الصباغ ما لم يثبت عنه نص بالتعميم، والله أعلم. انتهى سيد عمر. ويؤيد الأول ما مر في الشرح قبيل الفرع، ولكن الأحوط أن يحكم فيه عالماً ديناً يقرر له ما ذكر)[6] انتهى.
ومنه يعلم صحة ما ذكرنا، والله أعلم. هذا كله حيث لم تكن تلك العادة التي جرت بأخذ النصف في مسئلتنا قديمة معتبرة مرضية من زمن الواقف، وإلا فقد ذكروا أن العادة القديمة المرضية من زمن الواقف بمنزلة شرط الواقف.
قال في بغية المسترشدين نقلاً عن الفقيه عبدالله بامخرمة:
(يتبع العرف المطرد القديم من غير نكير في مصرف الوقف كما لو كان وقف مشهور بوقف الجامع، ويصرف منه النظار المتقدمون على مساجد أخر فيتبع عملهم؛ إذ العادة المرضية القديمة كشرط الواقف)[7] انتهى.
وقال في الدشتة نقلاً عن الشيخ عبدالله بن أبي بكر الخطيب:
(لو استمرت عادة الناظر بأخذ ثلث الغلة مثلاً وهو يزيد على أجرة عمله عمل بها؛ لأن العرف المطرد حال الوقف منزل منزلة شرط الواقف)[8] انتهى.
وبناء على هذا: فيستحق الناظر نصف الغلة حيث كانت تلك العادة قديمة مرضية من زمن الواقف، ولاسيما إذا كان النظار المتقدمون مشهورين بالورع والتقوى، ولا عبرة بمجرد زعم الناظر ذلك كما هو واضح، بل لابد من إثبات ذلك. وأما إذا لم تكن تلك العادة قديمة أو كانت غير مرضية فلا عبرة بها. والله أعلم بالصواب.
وكتبه: الحقير محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم، عفا الله عنه، آمين.
الحمد لله، الجواب صحيح. وكتبه الفقير سالم بن سعيد بكيّر.
المراجع: