السؤال:
ما قولكم في رجل بيده أرض زراعية وبجانبها حد أي قطعة من الأرض لم يزرعها أي زارع ذات أحجار وحصى ومرعى للمواشي، ثم حصل التشاجر ما بين الرجل المذكور وغيره في ذلك الحد، وكان فيما بينهما بعد ذلك القسمة في الحد المذكور، واعترف كل منهما للآخر ما خرج له من ذلك، وطرحت في الحد المذكور أحجار منصوبة تبين القسمة بين المذكورين، ثم إن الرجل المشار إليه توفي وخلف ابناً وبنتاً، ثم إن الابن عرض على رجل آخر أن يحيي ما خرج لوالده في الحد المشار إليه على أن يكون له في مقابلة إحياءه ربع في ذلك وثلاثة أرباع للابن المذكور، فنازعت البنت أخاها وطلبت منه حصتها في الثلاثة الأرباع المشار إليها وامتنع أخوها من أن يدفع لها شيئاً، أفيدونا هل تستحق البنت شيئاً في ذلك والحال ما ذكر أم لا؟
بسم الله، والحمد لله، ونسأله التوفيق للصواب وبجاه سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، (الجواب):
إن الأرض المذكورة في السؤال باسم الحد إذا كان الأمر فيها كما ذكر من أنها باقية على أصلها ولم تعمر قط فهي أرض موات، فلا تختص بالرجلين اللذين تنازعاها ما دامت مواتاً؛ إذ الموات لا يملك إلا بالإحياء أو إقطاع الإمام إقطاع تمليك، ولم يوجد واحد منهما، فلا عبرة بما عملوه فيها من القسمة؛ لأن القسمة لا تسمى إحياء.
قال الإمام النووي في منهاجه:
(الأرض التي لم تعمر قط إن كانت ببلاد الإسلام فللمسلم تملكها بالإحياء)، ثم قال: (ومن شرع في عمل إحياء ولم يتمه أو أعلم على بقعة بنصب أحجار أو غرز خشباً فمتحجر وهو أحق به، لكن الأصح أنه لا يصح بيعه، وأنه لو أحياه آخر ملكه)[1] انتهى.
وفي فتاوى الخليلي:
((سئل) في قطعة لم يعهد لها واضع يد ووضع جماعة أيديهم على حصص منها وتحجروها، ثم إن واحداً منهم حقق العمارة وهيأ بعضها للزراعة وزرعها مراراً، والآن يريد المتحجران نزعها منه بالتحجر السابق، فهل له ذلك وما الحكم في ذلك شرعاً؟ (أجاب): القطعة لا تملك بالتحجر بل لا بد من عمل فيها يهيؤها للعمارة من إزالة أحجار وكسح مستعلٍ وتسوية منخفض وقلع أشجار وحرث إن احتاجت له، فمن فعل ذلك في قطعة موات ملكها، ومن لم يعمل ذلك فلا يملك القطعة وإن سبق له تحجر لها أو إقطاع من الإمام أي إقطاع إرفاق؛ لأن القطعة لا تملك إلا بالعمارة لا بالتحجر وإن كان المعمر ظالماً بالعمارة)[2] انتهى.
ثم عن الرجل الآخر المأذون له في الإحياء في واقعة السؤال: إذا أحياها وقصد الإحياء لغيره كان الملك لمن قصده، وإلا بأن قصد نفسه أو أطلق أو لم يقصد واحداً بعينه فالملك له أي المحيي وحده، فإن قصد نفسه وغيره كان مشتركاً كما استظهره الشبراملسي.
ولا بد فيما إذا قصد غيره من مقارنة القصد للعمل واستمراره إلى فراغه، فلو عن له قصد نفسه بعد قصد غيره كان له ما أحياه من حينئذ كما ذكره الشبراملسي والسيد عمر البصري.
وفي المنهاج مع التحفة من باب الوكالة عطفاً على قوله (ويصح التوكيل في طرفي بيع وهبة) ما نصه:
(وكذا في تملك المباحات كالإحياء والاصطياد والاحتطاب في الأظهر كالشراء بجامع أن كلاً سبب للملك فيحصل الملك للموكل إن قصده الوكيل له وإلا فلا)[3] انتهى، ونحوه في النهاية.
قال عبدالحميد في حاشيته:
(قوله (وإلا) بأن قصد نفسه أو أطلق أو قصد واحداً لا بعينه؛ لأن قصد واحد لا بعينه غير صحيح، فكأنه لم يوجد فيحمل على حالة الإطلاق، فإن قصد نفسه وموكله كان مشتركاً فيما يظهر. انتهى علي الشبراملسي).
فتلخص مما ذكر أن المحيي للأرض المذكورة هو الذي يختص بملكها، إلا إن قصد الإحياء لغيره فهي لمن قصده، أو قصد نفسه وغيره كانت مشتركة على حسب قصده كما يعلم مما تقدم، والله أعلم.
وكتبه: الحقير محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم عفا الله عنه آمين، وحرر بتريم الغناء 17 ربيع الثاني سنة 1367هـ.
الحمد لله، الجواب صحيح مقرر فليعتمد، والله أعلم بالصواب. وكتبه الحقير سالم بن سعيد بكيّر سامحه الله.
المراجع: