اعلم أنه لا يجوز صرف الزكاة إلا للأصناف الثمانية المذكورة في قوله تعالى:

{ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلۡفُقَرَاۤءِ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَٱلۡعَـٰمِلِینَ عَلَیۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِی ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَـٰرِمِینَ وَفِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِۖ فَرِیضَةࣰ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ }

) [التوبة:60]، 

ولم يذكر الله تعالى اليتامى من تلك الأصناف، وإنما إن كان هؤلاء الأيتام فقراء – كما هو مذكور في السؤال -، أو مساكين، فيجوز إعطاؤهم من الزكاة بوصف الفقر أو المسكنة، لا بوصف اليتم، بشرط أن لا يكونوا مَكفيّين في النفقة ممّن تلزمه نفقتهم، كالجد أو الأم؛ لأن هذا يمنع اتصافهم بالفقر.

ثم إنه إذا جاز إعطاؤهم من الزكاة فإنّ ذمة المعطي تبرأ بقبض المستحق للزكاة، إن كان المالك هو الذي قسمها، وفي هذه المسألة – لأن الأيتام محجور عليهم بالصِّبا – لا يبرأ المالك إلا إذا قبضها وليّ كل منهم، أو من يقوم مقام الولي، من وكيل له، أو وصي، أو حاكم، أو قيّم الحاكم.

ولذلك فإنه لا بد في واقعة الحال هذه من معرفة الوجه الذي ترعى به هذه المؤسسة الأيتام فيها، فإن كان بوصاية من الأولياء، أو أقامهم الحاكم في القيام بأمورهم، وعُيّنَ مَن هو المخاطب بذلك؛ هل هو رئيسها، أو إدارتها، أو أحد العمال فيها؟  فيجوز حينئذ للمالك المزكي أن يعطي هؤلاء الأيتام الفقراء من زكاته، ويقبضها نيابة عنهم المخاطب بذلك في هذه المؤسسة، الذي هو قائم مقام الوصي أو قيّم الحاكم، وتكون زكاته مجزئة بهذه الكيفية.

ثم إن على هذه المؤسسة أن تصرف هذه الأموال في مصلحة الأيتام فقط؛ لأنها ملكهم، فإن صرفها أصحاب المؤسسة في غير ذلك أثموا، وكان ذلك من أكل أموال اليتامى ظلما، وعليهم ضمان ما تصرّفوا فيه من أموال اليتامى.

أما إذا لم تكن تلك المؤسسة بهذه الصورة، فإنه لا يجوز لهم أن يقبضوا عن هؤلاء الأيتام، وحينئذ تكون الزكاة غير مجزئة، ويلزم المزكي إعادة إخراج ما أخرجه من زكوات في السنوات العشر الماضية التي قد وقعت بيد هذه المؤسسة، كما أن له استرجاع ما قد دفعه للمؤسسة والمطالبة به.

نعم؛ لو لم يكن لليتيم وصِيّ، ويخاف من الحاكم أو القاضي على ماله لو رُفع إليه؛ ليقوم عليه، أو يعيِّن من يقوم عليه، فإنّ على صلحاء ذلك البلد أنْ يتولوا سائر التصرفات في ماله بالغبطة، أو بالمصلحة؛ للضرورة، وذلك بأن يتفقوا على من يَرْضونه؛ ليتولّى ذلك ولو بأجرة، وعليه فإنّ هذه المؤسسة لو كان الذي أسسها هم من صلحاء المسلمين في ذلك البلد، مع كون حاكم البلد غير أمين على أموال اليتامى، فإن لها التصرف في مصلحة اليتيم بخصوص أمواله، للضرورة.

وإذا اعتبرنا المؤسسة جهة وكيلة للمالك بتقسيم زكاته، فما ذهب من هذا المال إلى مستحقيه جاز، ووقع عن الموكل المالك، ومالم يذهب إلى مستحقيه فلا تبرأ ذمة المزكي عن واجبه في هذا القدر، وله استرجاعه إذا قدر على ذلك، ثم يضعه في موطن استحقاقه. والله تعالى أعلم بالصواب.

شارك الآن على:

Facebook
Twitter
LinkedIn