ورد إلينا سؤال يقول فيه السائل:
قرأت في إحدى الفتاوى أن النية لازمة في الصلاة، فلم أفهم المقصود بالنية هنا، لأنني لا أتصور أن أفعل فعلا في حياتي من غير قصد ولا نيّة، فإذا أردت أن أمشي إلى المسجد فقد نويت الذهاب إليه.. وهكذا، ولا يمكنني الذهاب إليه من غير قصد، فمن يستطيع الصلاة بدون نية؟؛ لأنني لا أتصور شخصا يقف على السجادة، ثم يكبر تكبيرة الإحرام، ولا يكون قاصداً الصلاة، وكيف تكون مع تكبيرة الإحرام، وهو من الأصل قاصد أن يصلى صلاة الظهر مثلا؟ هذا مع العلم أنّ البعض يقول: أن هذا الكلام في النية من البدع. فأرجو التوضيح.
الحمد لله.. الجواب وبالله التوفيق:
عَرَّف الفقهاءُ[1] النيةَ بأنها: قصد الشيء مقترنا بفعله، فإذا عزم شخص أو قصد عملا معينا، لم يكفِه ذلك القصد، إلا إذا كان ذلك العزم مقترنا بذلك العمل، وهذا معنى النية عند الفقهاء، وتكون النية المعتبرة عند الشافعية[2] عند بداية ذلك العمل، فتجب نية الصلاة عند تكبيرة الإحرام.
ويقصد المصلي ثلاثة أشياء: الفعل؛ أي الصلاة، وتعيين الصلاة؛ مثل الظهر، و أداء الفرض؛ إذا كانت الصلاة فرضا. ويضيف المأموم قصد الجماعة أو المأمومية، والذي يريد القصر قصد القصر، لـما جاء في صحيح البخاري[3] ، من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» أي: لا عمل إلا بالنية، «وإنما لكل امرئ ما نوى» أي: ما قصده وعيّنه من الأعمال.
والحكمة من النية أن يميز المصلي بين أنواع الصلوات المختلفة، حتى لا تصبح الصلاة مجرّد عادة، ولكي تتميز بكونها عبادة، وأن يستشعر العبد مسؤليته نحو هذه الفريضة التي هي من أعظم شعائر الإسلام.
وليس في تلفظه بالنية بحيث يسمع نفسه شيء من البدع؛ بل هو من إعانة القلب باللسان، وقد صح التلفظ بالنية من فعله عليه الصلاة والسلام في السنة، كما ثبت ذلك عنه في الحج، وفي الصيام، والأضحية، وغير ذلك؛ ففي مسند أبي عوانة [4]: عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: سمعت النَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ»، وهذا – من غير شكّ – يعتبر تلفظٌّ بالنية، ويمكن القياس عليه في بقية العبادات.
وروى البيهقي في السنن الكبرى[5]:عن حَفْصَةَ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ»، والمعنى: من يذكر نية الصيام؛ لأنّ الصيام لا يكون قبل الفجر كما هو معلوم.
وروى الطبراني في المعجم الأوسط[6]: عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ضحى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكبشين أقرنين أملحين، قرب أحدهما، فقال: «بسْمِ الله منك ولك، هذا عن محمد وأهل بيته»، ثم قرب الآخر، فقال: «بسم الله منك ولك، هذا عَنْ مَنْ وحَّدَك مِنْ أمّتي».
وقد قرّر تفضيل وتأكيد الجمع في النية مابين القلب والتلفظ الأصحاب كما ذكره الشيرازي في المهذّب[7] ، والنووي في المجموع[8] وغيرهما، ونَقَلَ ندْبَه تارةً وإباحته تارة أخرى عددٌ من أصحاب المذاهب الأربعة الأخرى[9]. والله تعالى أعلم.