ورد إلينا سؤال يقول فيه السائل:
بعض الأشخاص مستحقّ للزكاة، ونريد أن نعرف منكم: كيف نحدد كم نعطي الشخص المستحقّ؟ ومنهم: الفقراء، والمساكين، والمؤلفة قلوبهم، وكم يجب أن يعطى المسلم الجديد؟ ومن هم الغارمون؟ وكم يعطى صاحب الدين، وهل تختلف الديون من شخص إلى شخص؟ وما هي الديون التي تأخذ الأولوية؟ ومن هو ابن السبيل؟ وكم يُعْطَى من الزكاة؟
الحمد لله.. الجواب وبالله التوفيق:
معلوم أن الشريعة قرّرت أنّ مصرف الزكاة هي الثمانية الأصناف المذكورة في قول الله عزّ وجل:
{اِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلۡفُقَرَاۤءِ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَٱلۡعَـٰمِلِینَ عَلَیۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِی ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَـٰرِمِینَ وَفِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِۖ فَرِیضَةࣰ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِیمٌ حَكِیمٌ}
والغالب وجود الفقراء، والمساكين، والغارمين، وأبناء السبيل، والمؤلفة قلوبهم، ممن ذكروا في الآية الكريمة.
وقد قرر فقهاء الشافعية[1] أنه لابدّ من استيعاب الأصناف المذكورة في الآية الكريمة حيث أمكن ذلك، وأنه لابُدّ من إعطاء ثلاثةٍ كأقلّ عددٍ من كل صنف، إلا العاملين، وهذه هو الراجح في المذهب، وهناك أقوال في المذهب تصحح إعطاء الزكاة لصنف واحد بل لآحاد الأصناف، ويمكن العمل بتلك الأقوال عند الحاجة كما قاله العلامة ابن عجيل وغيره.
وفي بغية المسترشدين[2] ما نصه: « لا خفاء أنّ مذهبَ الشافعي وجوب استيعاب الموجودين من الأصناف في الزكاة والفطرة، ومذهب الثلاثة – أبو حنيفة ومالك وأحمد – جواز الاقتصار على صنف واحد، وأفتى به ابن عجيل والأصبحي، وذهب إليه أكثر المتأخرين؛ لعسر الأمر، ويجوز تقليد هؤلاء في نقلها، ودفعها إلى شخص واحد، كما أفتى به ابن عجيل وغيره، ويجوز دفع الزكاة إلى من تلزمه نفقته، من سهم الغارمين، بل هم أفضل من غيرهم، لا من سهم الفقراء، أو المساكين، إلا أن لا يكفيهم ما يعطيهم إياه» اهـ.
والذي قرّره أئمة الشافعية[3] أيضاً أنّ القدرَ المُعْطَى للمستحقّ يختلف باختلاف آحاد الأصناف، ومقداره يختلف أيضاً باختلاف قدر الـمال وكميته، ففي حالة الكثرة في مال الزكاة يتوسع في العطاء ، وحيث قلّ مال الزكاة فيُعْطَى المستحق ما يتيسر منه.
وخلاصة الأصناف التي يغلب وجودها ما يأتي:
الفقير: وهو مَن لا مال له ولا كسب يقع موقعا من كفايته، كمن يحتاج عشرة لنفسه ولمن وجبت عليه مؤنته، ولا يحصل من ماله أو كسبه اللائق به إلا على أربعة فأقل. فيعطى كفاية العمر الغالب،ــ وهو نحو ثلاثة وستّين سنة ـ :
فإن كان مكتسبا بحِرْفةٍ، واتسع الـمال، أعطي ما يشتري به آلات الحرفة، أو بتجارة، أعطى ما يشتري به عروض التجارة، فإن لم يحسن كسبا، أعطي كفايته فيشتري به عَقاراً يستغله ويستثمره.
والمسكين: من له ما يسد مسدا من كفايته ولا يكفيه كمن يحتاج لعشرة لنفسه ولمن وجبت عليه نفقته، ولا يحصل من ماله إلا على خمسة أو ستة أو سبعة أو ثمانية أو تسعة، فيعطى ما يعطاه الفقير بالتفصيل الذي فيه.
والمؤلفة قلوبهم: ومنهم: ضعفاء النية في الإسلام، أو في أهله، والأشراف في قومهم المتوقع بإعطائهم إسلام أمثالهم؛ فيعطون ما یراه المعطي مناسباً لهم.
والغارمون: وهم أهل الديون، فيقدم من استدان لأجل مصلحة عامة كبناء المساجد، ودور العلم فيعطى مقدار دينه، ولو كان قادرا على السداد من عند نفسه؛ حملا للناس على هذه المكارم، ثم إنّ مَنِ استدانَ لأجل مصلحته الخاصة في غير معصية يعطى ما يوفّي دينه إذا لم يمكنه السداد من ماله وقد حل الدين.
وابن السبيل: هو المسافر لغرض شرعي كالحج أو طلب العلم النافع، أو مريد السفر المباح، فيعطى ما یوصله مقصده، إن لم یكن له مال في طریقه، أو ما یوصله إلى ماله، ويهيأ له مركوب، وما یحمل متاعه. اهـ ملخّصا من نيل الرجاء[4] ، للعلامة أحمد بن عمر الشاطري، مع زيادةٍ وتوضيح يسير. والله تعالى أعلم.