ورد إلينا سؤال يقول فيه السائل:
في بعض الأوقات تضطر المرأة أن تمتنع من قضاء الصيام الذي عليها من رمضان بسبب الرضاع خوفا على نفسها أو على الولد حتى يأتي رمضان آخر، ووُجدت في زماننا بعض الآلات التي تخرج اللبن من المرأة ويحفظ في الثلاجة إلى مدة أربعة أشهر فهل يجب على المرأة فعل ذلك لأجل أن تصوم الواجب الذي عليها أم أنه لا يجب وتترك الصيام وتقضي ولو بعد رمضان، ويحصل أن تتأخر سنتين بسبب الرضاع ثم يحصل حمل ولا تستطيع الصوم ثم بعده رضاع وهكذا.. فهل يجب فعل ما ذكر أعلاه؟
الحمد لله .. الجواب وبالله التوفيق:
أولا: لا يجب على من ترك صوم رمضان أو بعضه لعذر شرعي القضاء فورا، ــ بل يندب له ذلك؛ إبراء للذمة ــ، نعم إذا ضاق الوقت وقرب مجيء رمضان في السنة الثانية ولم يقض ــ مع إمكانه ــ.. فيتضيق عليه القضاء ويجب عليه المبادرة به، فإذا دخل رمضان ولم يصم.. أثم ولزمه القضاء مع المد لكل يوم؛ ففي بشرى الكريم:
“ويستحب فيما فات بعذر موالاة القضاء فيه والمبادرة به؛ مسارعة لبراءة ذمته؛ نعم قد يجبان لنحو ضيق وقت، كأن لم يبق من رمضان إلا قدر الأيام التي عليه” اهـ[1].
وفي المنهاج مع النهاية:
“ومن أخر قضاء رمضان أو شيئا منه مع إمكانه بأن كان صحيحا مقيما حتى دخل رمضان آخر.. لزمه مع القضاء لكل يوم مد وهو آثم” اهـ[2].
ثانيا: من فاته صيام رمضان بعذر ولم يتمكن من القضاء حتى أتى عليه رمضان آخر.. فلا يجب عليه إخراج المد والحالة هذه، ومن ذلك ما ذكر في السؤال من استمرار المرأة في الرضاع حتى مجيء رمضان آخر، فيعتبر ذلك من العذر لها في تأخير القضاء مادامت تخاف من الصوم على نفسها أو الولد، ولا يلزمها مد، ولا يلحقها إثم؛ وفي نهاية المحتاج:
” وخرج بإمكانه [إمكان القضاء قبل رمضان] ما لو أخره بعذر كأن استمر مسافرا أو مريضا أو المرأة حاملا أو مرضعا إلى قابل.. فلا شيء عليه بالتأخير ما دام العذر باقيا وإن استمر سنين؛ لأن ذلك جائز في الأداء بالعذر ففي القضاء به أولى” اهـ[3].
ثالثا: لا يجب على هذه المرأة إذا كانت مرضعا إخراج اللبن منها بنحو آلة وحفظه في ثلاجة؛ وذلك لعذر الشرع لها في تأخير القضاء بسبب الإرضاع، وقيامها بالوسيلة المذكورة حتى يزول عنها العذر وتتمكن من القضاء.. يعتبر سببا لتحصيل وجوب الصوم، وقد نص الفقهاء ــ كما في التحفة والنهاية[4] ــ: على أن تحصيل سبب الوجوب ليس بواجب، وفرعوا على ذلك مسائل منها:
أنه لا يلزم التكسب في الحضر لأجل الذهاب للحج، كما لم نعلم إلزام الشرع المرأة إخراج اللبن منها وتجبينه؛ لأجل أن تتمكن من الصيام، وكما لم يُلزم المرأة شرب دواء يبعد عنها الحيض أو يقطعه عنها حتى تتمكن من الصلاة والصيام، ثم عند تمكن المرأة من القضاء يلزمها القضاء، ولو ماتت ولم تقض ــ ولم تتمكن ــ.. فلا شيء عليها لا صوم ولا مد ولا إثم.
والخلاصة: أنه لا يجب على المرأة فعل الطريقة المذكورة، وهي معذورة في تأخير القضاء ولو استمر معها العذر سنين، ولا يلحقها بالتأخير إثم ولا مد، والأولى لها ألا تفعل ذلك وتبقى على الحال الذي اختاره الله لها وقدره عليها؛ أدبا معه سبحانه وتعالى فيما يجريه من شؤونه وقياما بحق العبودية له.. والله أعلم
المراجع: