سئل -رضي الله عنه-: عمَّن ملك أربعين ريالاً مَجِيدِيّاً[1]، متساويةَ الوزن والغش، والعدد المذكور يبلغ نصاباً فأكثر، ومضى عليها حولٌ وهي في ملكه، فهل يجزئه إخراج ريال فرانصة[2] مثال[3] مساوياً لها في الوزن والغش، غيرَ أنه أنقص منها في القيمة بكثيرٍ؛ لأن قيمة المجيدي الآن نحو ضعفَي قيمةِ الفرانصي تقريباً ؟
فأجاب بقوله:
إنه لا يجزئه إخراج الريال الفرانصي عما ذكر مع نقصان القيمة؛ أخذاً من قول ((التحفة))[4]: (ويُعتبرُ فيما صِنْعَتُه محرَّمةٌ وزنُه دون قيمتِه الزايدةِ بسبب الصنعة؛ لأنها مستحقَّةُ الإزالة فلا احترام لها، وفيما صِنعتُه مباحةٌ كلاهما؛ لتعلق الزكاة بعينه الغير المحرمة، فوجب اعتبارها بهيئتها الموجودة حينئذ) اهـ.
وذكر نحو ذلك الكردي[5] بأبسط مما هنا، ومثله بشرى الكريم[6]، ولو لم نقل بهذا .. لكان إِجحافاً على المستحقِّين، فاعتبَرنا التساوي قيمةً ووزناً.
نعم، إن تعددت الأنواع وعسر الإخراج من كل نوع لكثرتها، أخرج من أوسطها قيمةً.
قال في ((التحفة))[7]: (ويكمَّل كلُّ نوع من جنس بآخرَ منه، ثم يؤخذ من كُلٍّ إن سهُل، وإلا فمِنَ الوسط، ويجزئ جيدٌ وصحيحٌ عن رديءٍ ومكسورٍ، بل هو أفضل لا عكسهما فيستردهما إِنْ بَيَّنَ) اهـ.
نعم، إن كان المكسَّر مساوياً للصحيح في القيمة .. أجزأ كما صرَّح به في ((إيعابه))[8] و((فتاويه))[9]، ومثله الأردأ عن الجيِّد إذا ساواه قيمةً كما هو ظاهر، وصرَّح به شيخُنا العلامة المحقق عبدالرحمن المشهور في ((فتاويه))[10] وهو مؤيِّدٌ لما ذكرته.
ثم رأيت في سفينة[11] شيخنا العارف بالله العلامة عمر بن حسن الحدَّاد[12] ما مثاله:
” مسألة: هل يجزئ إخراج الرَّبابي[13] في الزكاة عن القُرُوش[14]؟ وإخراج الدُّويد النحاس[15] عن زكاة الرَّبابي والقروش؟ وإذا قلتم لا يجزئ ذلك، بل يخرج القروش .. فحصَلَ كُسْرٌ كنصفٍ مثلاً فكيف الطريق؟
الجواب: أما إخراج زكاة الذهب والفضة من النحاس المضروبة -الدُّوِيد أو غيره- .. فلا يجزئ ولا يقع زكاة، ومثله إخراج ذهبٍ عن فضةٍ، أو فضةٍ عن ذهبٍ، فكُلُّ ذلك لا يجزي عن الزكاة باتفاق الشافعية.
وأما إخراج الفضة عن الفضة، والذهب عن الذهب، لكن مع الاختلاف .. فهو قسمان:
الأول: اختلاف النوع، وهو أن يختلف الذهب والفضة اختلافاً تتفاوتُ به الرغبات أو القِيَمُ؛ بسبب جودة معدِنِه أو رداءتِه أو عُروض ما ينقص القيمة؛ لقِدَمٍ وتكَسُّرٍ. قال في ((التحفة)): (ويكمَّل)[16]، ونقل العبارة المتقدمة إلى أن قال: ومثله في ((النهاية))[17] و((الفتح))[18] و((الأسنى))[19] وغيرها، فأفهَمَ كلامَه أنَّ الذهب لا يكمَّلُ بالفضَّة في النصاب، وأن أنواع الذهب تكمَّل بعضُها ببعض فيه وإن اختلفت قيمتها، ومثلها أنواع الفضة، وأنه يؤخذ من كل نوع زكاته إن سهُلَ، وإن عسُرَ فمن أوسط الأنواع، وأنه يجزئ الأعلى عن ضدهِ، والصحيحُ عن المكسورِ، وأنه لا يجزئ عكس ذلك.
وضابط هذا النوع: أن وزن الريال من الفضة مثلاً المخرج زكاةً لا تساوي قيمتُه وزنَ الريال من الفضة المزكاة، فإن كانت فضةُ الريالات لا تساويها في القيمة فضةُ الرُّبِّـيَّات .. لم يُجْزئْ إخراج ما قيمته أدون عما قيمته أعلى، إلا إن تعدَّدت الأنواع وعسر الإخراج من كل نوع، جاز الإخراج من أوسطها قيمة أو من أعلاها وهو الأفضل[20] ولا يجزئ من أدناها.
الثاني: اختلاف بالصفة: وهو أن يتحد النوع جودةً أو رداءةً، ولا يعرض لما ينقص القيمة بل يكون الاختلاف بسبب تعدد الضرب، أو قلة الغش، أو كثرته مع استواءِ قيمة تلك الضرائب، فهذا يجوز فيه[21] إخراج إحدى الضرائب فيه عن الأخرى، عسُر الإخراج من كل نوع أو سهُل، فإذا كان الريال من فضة ضريبةً تساوي قيمة وزنه من فضة ضريبةً أخرى .. جاز إخراج أحدهما عن زكاة الآخر، إلى آخر ما أطال به في الجواب ” اهـ. ما من السفينة المذكورة باختصار.
وأظن أن الجواب المذكور لسيدي الحبيب العلامة عبد الله بن عمر بن يحيى وهو نص في مسألتنا، والله أعلم[22].
مراجع