السؤال:
ما قولكم في لجنة بلدية تأسست بأمر الحكومة المحلية وكان جميع داخلاتها من الضرايب المفروضة على الأهالي على حوانيتهم وغيرها وتصرف هذه الداخلات في إصلاح الطرقات وغيرها من مصالح البلاد فهل يجوز استعمال شيء من دراهمها المشبوهة في عمارة المساجد أو لا؟
الجواب:
الحمد لله، (الجواب) ونسأل الله التوفيق للصواب: الواجب إنما هو رد تلك الدراهم إلى أربابها على الفور إن أمكنت معرفتهم ولا تبعد سهولة معرفتهم في واقعة الحال إذ أنها تسجل أسماء كل من أخذ منه شيء وقدر المأخوذ غالباً، فإن لم يعرف ملاكها ولم يحصل اليأس من معرفتهم وجب تعرفهم والاجتهاد في ذلك ليرد ذلك المأخوذ عليهم أو على ورثتهم، فإن أيس من معرفة الملاك صارت من جملة أموال بيت المال فتصرف للأهم فالأهم من مصالح المسلمين، وربما يكون الأهم التفرقة على المساكين أو غيرها قبل عمارة المساجد فإن لم يكن شيء أهم من عمارة المساجد صرفت إليها حينئذ.
وإليك الدليل من كلام أئمة الإسلام، قال سيدي الحبيب العلامة عبدالرحمن المشهور في البغية نقلاً عن العلامتين الحبيب عبدالله بن حسين بلفقيه ومحمد بن أبي بكر الأشخر اليمني ما ملخصه:
(وقعت في يده أموال حرام ومظالم وأراد التوبة منها، فطريقه أن يرد جميع ذلك على أربابه على الفور، فإن لم يعرف مالكه ولم ييأس من معرفته وجب عليه أن يتعرفه ويجتهد في ذلك ويعرفه ندباً ويقصد رده عليه مهما وجده أو وارثه، وإن أيس من معرفة مالكه بأن يبعد عادة وجوده صار من جملة أموال بيت المال، كوديعة ومغصوب أيس من معرفة أربابهما، وتركة من لا يعرف له وارث، وحينئذ يصـرف الكل لمصالح المسلمين الأهم فالأهم كبناء مسجد حيث لم يكن أهم منه)[1] انتهى المقصود.
وقال الإمام حجة الإسلام الغزالي رضي الله عنه في كتاب الإحياء في الجزء العاشر من ربع المهلكات وهو كتاب ذم الغرور ما لفظه:
(الصنف الرابع أرباب الأموال والمغترون منهم فرق، ففرقة منهم يحرصون على بناء المساجد والمدارس والرباطات والقناطر وما يظهر للناس كافة ويكتبون أساميهم بالآجر عليها ليتخذ ذكرهم ويبقى بعد الموت أثرهم وهم يظنون أنهم استحقوا المغفرة بذلك وقد اغتروا فيه من وجهين: أحدهما أنهم يبنونها من أموال اكتسبوها من الظلم والنهب والرشاء والجهات المحظورة، فهم قد تعرضوا لسخط الله في كسبها وتعرضوا لسخطه في إنفاقها، وكان الواجب عليهم الامتناع عن كسبها، فإذا قد عصوا الله بكسبها كان الواجب عليهم التوبة والرجوع إلى الله وردها إلى ملاكها إما بأعيانها وإما برد بدلها عند العجز، فإن عجزوا عن الملاك كان الواجب ردها إلى الورثة، فإن لم يبق للمظلوم وارث فالواجب صرفها إلى أهم المصالح وربما يكون الأهم التفرقة على المساكين وهم لا يفعلون ذلك )[2] إلى آخر ما أطال به، ومنه يعلم صحة ما ذكرنا والله أعلم.
وكتبه: الفقير إلى الله محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم في 15 ظفر الخير سنة 1375هـ.
المراجع: