التخلص من المظالم المجهول اصحابها

ما قولكم فيمن وقعت في يده مظالم جهل أربابها وأراد الخلاص والبراءة منها فما يفعل؟

الحمد لله، (الجواب) والله أعلم بالصواب نقول: حيث جهل أرباب تلك المظالم كما هو في صورة السؤال فلا يخلو الحال بين أن ييأس من معرفتهم أو لا ييأس، فإن لم ييأس من معرفتهم فواجبه البحث عنهم والسعي بكل ممكن إلى تعرفهم وقصد رد كل منها إلى مستحقه مهما وجده هو أو وارثه، وإنما كان البحث واجباً لأنه طريقة إلى براءة ذمته الواجبة عليه وللوسائل حكم المقاصد كما ذكره العلامة السيد عمر البصري في أثناء جواب له نقله عنه الكردي في فتاويه[1]، وحكم تلك الأموال حينئذ أنها تتوقف لدى قاض أمين، فإن لم يوجد فلمن هي تحت يده إمساكها إلى تحقق معرفة أربابها أو حصول اليأس من معرفتهم.

هذا كله حيث لم ييأس من معرفة أرباب تلك المظالم بأن رجاها أو شك هل حصل اليأس من معرفتهم أو لا أو كان أرباب تلك الأموال محصورين وجهل عين ما لكل منهم كما تدل عليه عبارات الفقهاء الآتي ذكرها، وفي التحفة في باب الغصب ما يناسب ما هنا ونصه:

(وفي فتاوى المصنف غصب من جمع دراهم مثلاً وخلطها بحيث لا تتميز ثم فرق عليهم المخلوط على قدر حقهم حل لكل أخذ قدر حصته، فإن خص أحدهم بحصته لزمه أن يقسم ما أخذه عليه وعلى الباقين بالنسبة إلى قدر أموالهم، هذا كله إذا عرف المالك أو الملاك كما تقرر، أما لو جهلوا فإن لم يحصل اليأس من معرفتهم وجب اعطاؤها للإمام ليمسكها أو ثمنها لوجود ملاكها وله أن يقترضها لبيت المال، وإن أيس منها أي عادة كما هو ظاهر صارت من أموال بيت المال فلمتوليه التصرف فيها بالبيع واعطائها لمستحق شيئاً من بيت المال وللمستحق أخذها ظفراً ولغيره أخذها ليعطيها للمستحق كما هو ظاهر، ثم رأيت ابن جماعه وغيره صرحوا بذلك، وقد قال ابن عبد السلام عقب قول الإمام وغيره (لو عم الحرام قطراً بحيث ندر وجود الحلال فيه جاز أخذ المحتاج إليه وإن لم يضطر ولا يتبسط) انتهى، هذا إن توقع معرفة أهله وإلا فهو لبيت المال كما تقرر)[2].

انتهى عبارة التحفة، أما ما أيس من معرفة أربابه من تلك المظالم بأن يبعد عادة وجودهم فهو حينئذ يصير من جملة أموال بيت المال يصرف للأهم فالأهم من مصالح المسلمين كما صرحوا به.

ففي التحفة مع المنهاج: في باب إحياء الموات ما نصه مع اختصار:

(فإن لم يعرف مالكه والعمارة إسلامية يقيناً فمال ضائع أمره للإمام في حفظه أو بيعه وحفظه ثمنه أو استقراضه على بيت المال إلى ظهور مالكه إن رجي وإلا كان ملكاً لبيت المال فله إقطاعه كما في البحر)… إلى آخر.

قال عبد الحميد: (قوله (فله إقطاعه) ويؤخذ منه حكم ما عمت به البلوى من أخذ الظلمة المكوس والعشور وجلود البهائم ونحوها التي تذبح وتؤخذ من ملاكها قهراً وتعذر رد ذلك لهم للجهل بأعيانهم وهو صيرورتها لبيت المال فيحل بيعها وأكلها كما أفتى بذلك الوالد رحمه الله تعالى انتهى نهاية وفي المغني نحوه، قال الرشيدي: قوله الرملي (وتعذر رد ذلك لهم للجهل).. إلى آخر أي بأن لم يعرف أحد منهم كما يعلم من المأخوذ منه فليست الصورة أنهم موجودون لكن جهل عين ما لكل منهم كما هو الواقع في جلود البهائم الآن إذ حكمها أنها مشتركة بين أربابها كما في فتاوى النووي الذي مرت الإشارة إليه في باب الغصب انتهى، قال علي الشبرملسي: قوله الرملي (للجهل بأعيانهم) أما لو عرف مالكوها فهي باقية على ملكهم فلا يحل بيعها ولا أكلها نعم لمالكها أن يأخذ منها ما غلب على ظنه أنه حقه ولو بلا أذن من الإمام أو نائبه وإلا حرم، وقوله الرملي (فيحل بيعها وأكلها) أي بعد دخولها في يد وكيل بيت المال وتصـرفه فيها بالمصلحة)[3].

انتهت عبارة حاشية عبدالحميد، وفي بغية المسترشدين للحبيب عبدالرحمن المشهور سقى الله عهده:

((مسألة بلفقيه والأشحر) وقعت في يده أموال حرام ومظالم وأراد التوبة منها فطريقه أن يرد جميع ذلك على أربابه على الفور فإن لم يعرف مالكه ولم ييأس من معرفته وجب عليه أن يتعرفه ويجتهد في ذلك ويعرفه ندباً ويقصد رده عليه مهما وجده أو وارثه ولم يأثم بإمساكه إذا لم يجد قاضياً أميناً كما هو الغالب في هذه الأزمنة انتهى، إذ القاضي غير الأمين من جملة ولاة الجور وإن أيس من معرفة مالكه بأن يبعد عادة وجوده صار من جملة أموال بيت المال كوديعة ومغصوب أيس من معرفة أربابهما وتركة من لا يعرف له وارث وحينئذ يصرف الكل لمصالح المسلمين الأهم فالأهم كبناء مسجد حيث لم يكن أعم منه فإن كان من هو تحت يده فقير أخذ قدر حاجته لنفسه وعياله الفقراء كما في التحفة وغيرها)[4]. انتهى.

وفي فتاوي العلامة المحقق الشيخ محمد بن سليمان الكردي نقلاً عن فتاوي السيد عمر بن عبدالرحيم البصـري ما صورته مع اختصار وحذف ما ليس مقصوداً منه هنا:

(ما قولكم في المكس المأخوذ من جدة مثلاً من التجار بغير طيب نفس هل يفصل فيه بين أن يجهل ملاكه ويحصل اليأس من معرفتهم فيصير من أموال بيت المال فيحل لمن رتب له فيه شيء أخذه والانتفاع به إذا كان ممن يستحق في بيت المال وبين أن لا تجهل ملاكه أو تجهل لكن لم يحصل اليأس من معرفتهم فلا يصير من أموال بيت المال ولا يحل لمن رتب له شيء فيه أخذه ولا التصرف فيه؟)… إلى أن قال: (وهل منه أيضاً أي من القسم الثاني وهو الحرام ما لو شك هل حصل اليأس من معرفتهم أو لا؟ لأن الأصل احترام مال الغير وحرمة التعرض له حتى يعلم مسوغه؟)… إلى آخر السؤال.

ثم صدر جوابه بنقل عبارة المغني وما زاده عليها صاحب النهاية المار ذكره آنفاً إلى أن قال: (إذا تقرر ذلك فحكم المال المفروض في السؤال أخذاً مما ذكر أن ما أيس منه من معرفة أربابه صار لبيت المال فيحل لمن هو بيده التصرف فيه حيث صرفه في مصارفه مراعياً محل الاستحقاق وقدره ويحل لمن دفع له التصرف فيه وتناوله بالشرط المشار إليه وما لم يحصل فيه اليأس من معرفتهم فموقوف إلى تحقق معرفتهم أو اليأس حيث لم يعلموا في الحالة الراهنة ووجب الدفع إليهم حيث علموا فيها)، ثم قال: (قوله (هل منه)… إلى آخر هو كذلك لما أشار إليه السائل، لأن المسوغ للتصرف فيه صيرورته لبيت المال وإنما يتحقق عند العلم باليأس أو غلبة الظن الملحقة بالعلم حكماً، وأما عند الشك والتردد ولو كان ناشئاً عن أخبار نحو من تقدم ممن لم يثبت بقوله في ظاهر الحكم فالأمر فيه الوقف كما علم مما تقدم) انتهى.

وفي فتاوى الكردي أيضاً بعد أن نقل عن القليوبي عن شيخه الرملي أن الوجه تحريم نحو الأكارع المأخوذه في المكوس وإن لم يعلم عين مالكها لأنه معلوم أي محصور قال: (أقول وهذا لا يخالف الأول بل يخصصه فحيث كان الملاك محصورين امتنع وحيث لم ينحصروا جاز؛ لأنهم حينئذ غير معلومين كما لا يخفى وعلى هذا التفصيل يحمل ما سبق نقله)[5] انتهى.

إذا تأملت هذه النصوص يظهر لك صحة ما قدمناه أول الجواب والله أعلم بالصواب.

وكتبه: الحقير محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم عفا الله عنه ولطف به آمين.

الحمد لله، الجواب صواب. وكتبه الفقير سالم بن سعيد بكيّر سامحه الله.

1
فتاوى الكردي (صـ121).
2
حواشي التحفة (6/45) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.
3
حواشي التحفة (6/204-205) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.
4
بغية المستر شدين (صـ 158) ط الحلبي.
5
فتاوى الكردي (صـ117-122).

شارك الآن على:

Facebook
Twitter
LinkedIn