التحقق من الأرض المملوكة من قديم الأزمان

بسم الله الرحمن الرحيم، من قشن إلى الغناء تريم، حُرِّر 26 جماد الآخر سنة 1389هـ. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.

ما قولكم أيها العلماء الأعلام الذين أعدهم الله مرجعًا للأنام لتبيين الحلال من الحرام في قطعة من الأرض واسعة الأطراف وراء حاجب البحر بحدودها الأربعة تُسمى محارس، وتلك الأرض يُنتفع بها لجفاف الوزيف الخارج من البحر، ويُصرف لصاحب الأرض شيء من تلك الوزيف لأجرة الأرض المذكورة، ولم تكن بها آثار العمارة، وخارجة عن حدود العمران قريب ساحل البحر، وبها فناطيس للصيفة ويُصرف أجرتها لصاحب الأرض المذكورة.

وتلك الأرض تحت أيدي أناس من قديم الزمان، ويتصرف أهلها بالبيع، وشيء منها يوقفونها إلى المساجد، ويتلقونها من بعضهم البعض بالأجرة والإرث منذ سبعين سنة أو أكثر، ومعهم الوثائق وعليها توقيع القضاة السابقين، ولم ينازعهم فيها أحد من الزمن السابق، بل إن جميع أهل بلدهم يؤدون الأجرة لهم عن رضا.

والآن ينازعهم أناس وقالوا إن الأرض المذكورة لا تُملك، وأنها أرض قاحلة بلا عمارة فهي من الحقوق العامة، ولا يجوز لأحد تملكها وأخذ الأجرة عليها، فكيف هذه القطعة؟ هل تكون ملكًا لصاحب اليد المترتبة عليه، والذي يأخذه حلالًا أم لا؟ وهل يُطالب صاحب اليد بالبحث عن كيفية دخول الأرض وكيف دخول أول مالك، أو أن التصرف تحت الأيدي يكفي مع أن الأرض إسلامية؟ أفتونا ولكم الأجر والثواب من رب الأرباب ودمتم، والسلام.

مقدم السؤال: سعد بن عويض بن مبارك بن لازند الجدحي المهري.

إذا كان الأمر كما ذكر السائل من أن الأرض المذكورة تحت أيدي أناس من قديم الزمان، ويتصرفون فيها بالبيع والوقف والإجارة ويتوارثونها، ومعهم الوثائق وعليها توقيع القضاة السابقين، فهم أرباب اليد فيها، وقد صرح العلماء نفع الله بهم أن اليد حجة شرعية، وأنها تدل على الملك دلالة ظاهرة.

وأخذوا ذلك مما رواه مسلم في صحيحه، والترمذي وصححه، عن وائل بن حجر قال:

جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي، قال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: «ألك بينة؟» قال: لا، قال: «فلك يمينه».

وبما روى أحمد عن الأشعث بن قيس قال:

كان بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «شاهداك أو يمينه».

ووجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر اليد لصاحبها، ودفع خصمه عنها باليمين حيث لا بينة.

قال العلامة ابن زياد في فتاويه كما نقله عنه العلامة الحبيب عبدالرحمن بن محمد المشهور رضي الله عنه في غاية تلخيص المراد:

«اليد كما قال السبكي حجة شرعية، فإذا كان لأحد المتداعيين يد على أرض مثلاً فهو مدعى عليه، وتسميه الفقهاء داخلاً، ومن لا يد له مدعٍ وتسميه خارجًا، فإذا ادعى الخارج على الداخل أنه يملك الأرض المدعاة، فأجابه صاحب اليد بالإنكار، وحيث لا بينة فالقول قول صاحب اليد بيمينه؛ لأن اليد تدل على الملك دلالة ظاهرة»[1].

ومن أثناء جواب للعلامة الشيخ سالم بن سعيد بكيّر رحمه الله:

«واليد دليل الملك حتى في حق الكافر كما في بغية المسترشدين، فكيف بالمسلم، والأصل وضعها بحق إلا إن ثبت نقيضه»، ثم قال: «وليس للوالي حق فيها، ولا يجوز له التعرض لصاحبها أو يسأله من أين انتقلت إليه؛ بل ذلك فضول وتعنت منه».

وعليه فإن قول المنازع بأنها أرض قاحلة لا تُملك، وأنها من الحقوق العامة، قول بلا دليل، ويُرد عليه وجود الفناطيس للصيفة فيها، وتجفيف الوزيف بها، وتسليم الأجرة لأرباب الأرض، وتصرفهم فيها تصرف الملاك من بيع ووقف وغير ذلك.

والله أعلم بالصواب.

وحرر ببلد تريم الغناء في 2 شهر رجب الحرام سنة 1389هـ، وكتبه: الفقير إلى الله تعالى محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم.

الحمد لله، ما أجاب به العلامة المجيب صحيح ومقرر، وإذا تقرر أن اليد حجة شرعية فلا تزال إلا بحجة شرعية أقوى منها، والله أعلم بالصواب. كتبه: الحقير فضل بن عبدالرحمن بن محمد بافضل لطف الله به في 2/7/1389هـ.

الحمد لله وحده، اطلعت على ما أجاب به السيد الفاضل العلامة محمد بن سالم بن حفيظ، فرأيته أصاب الصواب وسلك طريق الحق، وكفى بما نقله من الأدلة النبوية وكلام العلماء حجة لكلامه. كتبه: الحقير عبدالقوي بن عبدالرحمن الدويله بافضل عفا الله عنه آمين.

المراجع:

1
انظر: بغية المسترشدين (صـ287).

شارك الآن على:

Facebook
Twitter
LinkedIn