السؤال:
هل يجوز للناظر على المسجد الاستدانة لعمارته ومصالحه أم لا؟ وإذا قلتم بالجواز فلو أن أحداً أوصى أو نذر بمال للمسجد المذكور ليصرف في مصالحه فهل يجوز قضاء دينه من الموصى أو المنذور به ويدخل تحت المصالح أم لا؟
(الجواب) حامداً لله سائلاً منه الهداية والتوفيق:
لا يجوز لناظر المسجد الاقتراض على المسجد لنحو عمارته إلا إن شرطه له الواقف أو أذن له القاضي في الاقتراض كما في التحفة والنهاية وغيرهما، خلافاً لما أفتى به ابن الصلاح والبلقيني من جواز اقتراض الناظر للعمارة بلا إذن، وجمع ابن زياد في فتاويه بين القولين بما سيأتي نقله عن غاية تلخيص المراد.
قال في التحفة عقب قول المتن في باب الوقف:
(ووظيفته (أي الناظر) الإجارة والعمارة) ما صورته: (وكذا الإقتراض على الوقف عند الحاجة لكن إن شرطه له الواقف (أي شرط النظر للناظر الواقف حالة الوقف عبدالحميد) أو أذن له فيه القاضي كما في الروضة وغيرها وإن نازع فيه البلقيني وغيره) انتهى.
قال عبدالحميد:
(قوله (أو أذن له فيه القاضي) أي فلو اقترض من غير أذن من القاضي ولا شرط من الواقف لم يجز ولا يرجع بما صرفه لتعديه به اهـ ع ش)[1] انتهى.
وعبارة بغية المسترشدين:
((مسألة بلفقيه) ليس لناظر الوقف وولي المحجور الاقتراض له لنحو نفقة وعمارة كإقراض ماله إلا بإذن الواقف أو الحاكم ولو بقوله في خط النيابة وأذنت له أن يقرضه ويقرض ماله فيرجع به حينئذ في ماله، بخلافه بلا أذن فلا رجوع وإن كان المنفق الحاكم نفسه)[2] انتهى.
وقال في غاية تلخيص المراد من فتاوى ابن زياد لسيدي الجد عبدالرحمن المشهور رضي الله عنه:
((مسألة) من وظايف الناظر عمارة الوقف فإذا احتاج لعمارة خراب حدث فيه عمره من ريعه إن كان وإلا احتاج إلى أذن ولي الأمر أو القاضي في الاستقراض أو العمارة من ماله ليرجع في ريع الوقف، هذا ماجرى عليه الشيخان)، ثم قال: (وأفتى ابن الصلاح والبلقيني بجواز اقتراض الناظر للعمارة بلا إذن من ذكر والتحقيق أن يقال إن كان الناظر مولى على أوقاف المساجد من قبل ولي الأمر وهو كامل الأهلية في النظر والاجتهاد والاحتياط فيما هو الأصلح للوقف جاز له الاقتراض من غير إذن وهو محمل فتيا ابن الصلاح وإن كان على وقف خاص منحط الرتبة عن كمال أهلية النظر والاجتهاد احتاج إلى الأذن)[3] انتهى.
ثم أطال فيما إذا عمره من ماله ليرجع عليه وليست منه مسألة السؤال.
فعلم من هذا كله: أن المعتمد ما جرى عليه الشيخان ووافقهما عليه ابن حجر والرملي وغيرهما من أنه لا يجوز لناظر المسجد الاستدانة لنحو العمارة إلا أن أذن له فيها الحاكم أو كان مشروطاً له النظر حال الوقف كما مرّ عن عبدالحميد أو أذن له الواقف كما مرّ عن البغية وكما نص عليه في شرح عماد الرضى للمناوي، وعبارته مع المتن:
((مسألة) قال الرافعي وتبعه في الروضة ليس للناظر أي الذي لم يشرط له الواقف الاقتراض أن يقترض عند الحاجة لعمارة الوقف أي ولا أن يصرف من مال نفسه ليرجع دون إذن القاضي لاحتياجه لمزيد احتياط ونظر) انتهى.
وحيث لم تجز له الاستدانة فاستدان فليس له الرجوع على المسجد بما صرفه لتعديه به كما مر عن علي الشبراملسي، وأما إذا جازت له الاستدانة بأن استدان بإذن الحاكم أو الواقف أو كان مشروطاً نظره حال الوقف فيوفي الدين من ريع الوقف كما مر عن غاية تلخيص المراد وكما في عماد الرضى لشيخ الإسلام ومن مال المسجد أيضاً كما مر عن البغية.
وقول السائل: (وإذا قلتم بالجواز) إلى قوله (فهل يجوز قضاء دينه من الموصى أو المنذور به ويدخل تحت المصالح أم لا؟) جوابه: نعم، يجوز قضاء الدين من الموصى والمنذور به ليصرف في مصالح المسجد كما يعلم مما نقلناه عن البغية إذ هما من أموال المسجد وقضاء الدين داخل تحت المصالح إن لم يكن أهمها فهو من أهمها. نعم، إن صرح الناذر أو الموصي حال تلفظه بالصيغة بأن يشتري بذلك المنذور أو الموصى به عقاراً لتصرف غلته في مصالح المسجد اتبع مراعاة لغرض المتبرع؛ إذ نصّ الواقف ومثله الموصي ونحوه كنص الشارع كما صرحوا به… والله أعلم بالصواب.
وكتبه: الحقير الراجي عفو ربه محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم عفا الله عنه آمين، وحرر بتاريخ 14 ذي القعدة سنة 1361هـ.
ثم بعد تسطيري لهذا الجواب جرى البحث فيه مع جماعة من طلبة العلم بتريم وتقرر:
أن ظاهر كلام التحفة المار ذكره أول الجواب لا يقتضـي ما قرره المحشي الشيخ عبدالحميد في مرجع الضمير في قولها (وكذا الاقتراض على الوقف عند الحاجة لكن إن شرطه له الواقف) فالشيخ عبدالحميد جعل مرجع ضمير شرطه للنظر ولم يتقدم له ذلك؛ بل ظاهر التعبير يقتضـي عوده للاقتراض، أي: لكن إن شرط الاقتراض له الواقف كما أظهره شارح عماد الرضى في قوله: المار ليس للناظر، أي: الذي لم يشرط له الواقف الاقتراض أن يقترض الخ، وكما أظهره ابن حجر نفسه في فتاواه فمنها من أثناء كلام ما نصه: (ليس لورثته (أي الناظر) الرجوع به على الوقف إلا إذا كان الواقف شرط له الاقتراض للعمارة أو أذن له القاضي فيه) انتهى، وبذلك يعلم أن جواز الاقتراض لنحو العمارة لمن كان مشروطاً له النظر حال الوقف من غير تصريح من الواقف بالإذن في الاقتراض موقوف على عبدالحميد، وليراجع هل عبر تعبيره أحد ممن قبله… والله أعلم بالصواب.
الحمد لله ما قاله وقرره المجيب صحيح وفيما نقله من الأدلة كفاية، والله أعلم. وكتبه: الحقير سالم بن سعيد بكيّر.
المراجع: