الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة خلفاء يذودون عن الدين، ويبينون ما خفي والتبس من أحكامه أحسن تبين، ويدفعون عنه شبهات الجاهلين وتخيلات المبطلين، ويكفون عنه تمويهات المفسدين، وهذا إلى قيام الساعة لا يضرهم من ناوأهم كما ورد عن الصادق الأمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه أولي المجد والتمكين، وعلى حاملي شريعته وناشري ألويتها رضي الله عنه أجمعين.
وبعد:
فقد اطلعت على كتابة للسيد العلامة الأستاذ الجليل والكاتب القدير محمد بن أحمد بن عمر الشاطري نفع الله به[1]، في موضوع حكم رد الزوائد على القرض والوديعة، وقبوله، والتعليق على فتوى في الموضوع[2].
وبعد التأمل لما هنالك ظهر لي بلا تردد: ما قرره من حرمة أخذ الزوائد والأرباح المدفوعة من البنك كما هو المعروف اليوم؛ لأنه ربا صريح، وهو أحد أنواع الربا المجمع على حرمتها في الإسلام، المسمى ربا القرض.
وضابطه: كل قرض جر منفعة للمقرض فهو ربا، وله صور كثيرة، ذكر جملةً منها العلامة الكردي[3] في كتابه أزهار الربى.
كما تبدو واضحة تلك الفروق بين المدفوع من البنك وما يدفع ممن عرف برد الزيادة بدون شرط، حيث إن المصرف (البنك) لا يأخذ ذلك المدفوع على جهة القرض والإيداع إلا بعد توقيع من الدافع على ورقة مذكور فيها نظام ذلك، المشتملة على شروط واتفاقات للمعاملة معه، بما في ذلك ذكر الربح وقدره وغيره.
فهل يقدر أحد حينئذ أن يقولَ إن هذا القرضَ بدون شرط مسبق، أو يقولَ إن الزائدَ مدفوع بدون سبق اتفاق وعلمٍ به؟ والمصَرف كما هو معلوم إنما كُوّن لأجل الاستغلال والاسترباح، وهم ملزمون بدفع الزائد قانوناً حسب النظام المتبع عندهم، كما يلزمون صاحب القرض أو الوديعة باستلام ذلك قانوناً أيضاً.
واعتقد أن كل عالِم مستبرئٍ لدينه لا يجوِّز أخذ ذلك، وأما مَن غَلبَ عليه حبُّ حُطامِ الدنيا، عليم اللسان، جاهل القلب، سوف يبدي محامل واهية لا تنفعه، لا دنيا ولا أخرى، لحِلِّ ذلك،
﴿فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. (النور 063).
ومن جملة الأمور الواهية التي يتعلق بها الجاهل أو المتجاهل هو: أن هذا كان بدون عقد، والربا لا يكون إلا في عقد، ولا هناك إيجاب ولا قبول ولا شرط.
فنجيب عليه: أن الكتابة مع النية كاللفظ في العقود والحلول شرعاً غالباً، والسجل الذي قدمه صاحب المصرف ويوقع عليه الدافع بعد العلم به قائم مقام اللفظ.
ثانياً: لو فرض أن هذا التوقيع غير كافي؛ فلا يجوز أخذ الزائد وإن لم يكن ربا؛ لأنه بدون معاملة صحيحة شرعاً، فهو من أكل أموال الناس بالباطل، ويلزم رد الزائد كما أشار إلى ذلك فضيلة صاحب الكتاب، على أن النووي اختار صحةَ المعاطاة، وأنها قائمة مقامَ العقدِ في كل العقود ومنها القرض.
من سابق زمان أنَّ شخصاً له أموال موضوعة في أحد المصارف هناك بسنغافورة آنذاك، ومضت الأيام الطويلة ودفع له المصرف زوائد كأرباح في مقابل تلك الأموال حسب النظام، فأبى من ذلك.
ثم استشار فضيلة العلامة السيد علوي بن طاهر الحداد المفتي بجهور سابقاً[4] في ذلك، فأشار عليه بالأخذ وأن يصرفه في مصالح المسلمين؛ لأنها كالمال الضائع، ولا يأخذ لنفسه شيئاً.
وكان ذلك بعد إلزام من المصرف بأخذ الزائد؛ لأنه لو لم يأخذه لوضعوه فيما هو أقبح وأشنع أيضاً من المشهور أن المصرف …[5]
المراجع: