ورد إلينا سؤال يقول فيه السائل:
ما حكم من يستقرض لأجل المصلحة العامة، كبناء مسجد، أو إعانة طالب علم، أو غيرها من المصالح العامة، بإشارة من صاحب الزكاة، أو وكيله، وبوعده إياه أن يعطيه من الزكاة ما يسدد به ذلك القرض؟ وهل يبرأ المزكي أو وكيله في هذه الحالة من الواجب الذي عليه؟ علما بأن المستقرض ربما يملك من المال أو النقد ما يسَدّ به الحاجة أو بعضها؟؟.
الحمد لله.. الجواب وبالله التوفيق:
يلزم المزكي أو من ناب عنه أن يضع الزكاة في موضعها، ولا يصرفها إلا لأهلها ممن نص الله عليهم في كتابه من الأصناف الثمانية، ومنهم من ذكره السائل، وهم: (الغارمون). *وقرر العلماء: بأنّ من استدان لأجل المصلحة العامة يعطى من الزكاة وإن وجد معه من المال أو النقد ما يسد به الدين*؛ حملا للناس على هذه المكارم الطيبة في المجالات العامة النافعة؛ ومن عبارات العلماء في ذلك ما قاله صاحب كتاب إعانة الطالبين[1]: «ويعطى المستدين لمصلحة عامة، كقرى ضيف، وفك أسير، وعمارة نحو مسجد، وإن غنيا، (وقوله: لمصلحة عامة)، أي لأجل مصلحة يعم نفعها المسلمين، (وقوله: كقرى ضيف.. إلخ) أمثلة للمصلحة العامة، (وقوله: وعمارة نحو مسجد)، أي إنشاءً أو ترميما، فإن استدان لذلك أعطي، ولا يجوز دفع الزكاة لبناء مسجد ابتداء – كما في الكردي – (وقوله: وإن غنيا) غاية في الإعطاء، أي يعطى وإن كان غنيا – أي مطلقا، بعقار أو بنقد – وهي للرد على من يقول: إنه لا يعطى إذا كان غنيا، وللرّدِّ على من يفصل بين غني النقد فلا يعطى، وبين غني العقار فيعطى – كما يُعْلَمُ من عبارة التحفة المارة –» اهـ. *ومن المصالح العامة – بل من أعظمها وأنفعها – ما ذكره السائل من إعانة طلاب العلم، أو الدعاة إلى الله عز وجل، وأئمة المساجد،* فهم محلّ البناء الأصيل لدائرة الإسلام وحِصْنه، *وقد قال العلامة الشيخ سالم بكير باغيثان في فتاويه[2] – من أثناء كلام له على المصالح العامة -: « ومن أهمها -إن لم يكن أهمها – إحياء علوم الدين، والاشتغال بها، لا سيما في هذه الأزمنة التي ركدت فيها سوق العلوم الشرعية، ورغب الناس عن تحصيلها… وذلك بإعطاء المشتغلين بها، والراغبين في تحصيلها، من هذه الأموال كفايتهم، حتى يتفرغوا للتخرج والتعمق فيها، ويحفظوا للناس دينهم…، وقد صرح العلماءُ رحمهم الله تعالى كما في المنهاج وغيره: بأنّ القيام بالعلوم الشرعية وآلتها مِنْ جملة فروضِ الكفايات، وأنّ أرزاقَ العلماء من جملة المصالح العامة*» اهـ.*إذا علمت هذا تبين لك* أن من يستدين، أو يُطلب منه أن يستدين لأجل المصالح العامة، فيقوم بذلك – وغير ذلك من الصور المذكورة في السؤال – يجوز أن يعطى فاعلها من الزكاة، ولو كان غنيا بنقد على المعتمد، وتبرأ به ذمة المزكي، وعليه أنْ يراقبَ الحقّ عزّ وجل في أنْ لا يجرّ لنفسه مصلحةً أو يكون ذلك لدافع من الدوافع غير الشرعية.. والله تعالى أعلم بالصواب.