سؤال: من المشكلات عندنا ولا يستغرب ذلك لعدم المطالعة أنا سألنا مراراً عن العادة الجارية بكثرة بدون نكير، وبعض التجار يزعم أنه سأل عنها فأفتوه بحلها، وهي : لي مائة ريال 100 في عدن طلبتها من أحد التجار في البيضاء يعطينيها ويأخذ حوالة في التي في عدن لأنه محتاج إليها في عدن لبضاعة، ولا بد له من نقل الدراهم من البيضاء إلى عدن، فطلب مني خدمة في المائة ريال ريالين أو ثلاثة وقال إنها إجارة، فكأنه أوصلها لي من عدن إلى البيضاء، والذي ظهر لنا من حين سئلنا أنها ربا محض لأنه لا مؤنة لنقلها في الطائرة من عدن إلى البيضاء والمصلحة مع التاجر، ولا هناك استئجار ولاحوالة بشـروطها فهي أشبه شيء بالقرض؛ لأنه إذا عجز المحول عليه عن التسليم رجع على المحول، فهل يجوز إعطاؤه الزيادة بغير شرط كما في قضاء القرض، لكن هنا لا يدفع حتى يستلم ورقة التحويل، وهل يسوغ مثلاً أن يأخذ عنه 98 ريال فضة ويحول له خمسمائة 500شلن قيمة مائة ريال 100 أو يكون اختلاف العوضين عذر في الزيادة، وهذه الشلنات هل يجوز بيعها بزيادة على سعرها مؤجل مثلاً الريال قيمته خمسة شلنقات باع إلى محتاج أربعة شلنقات بريال مؤجل في ذمته وهل يسوغ النذر في مقدار الخدمة أم هو حيلة ربا؟ أفتونا مأجورين.

الحمد لله، (الجواب) والله أعلم بالصواب: قد سئل الشيخ العلامة أبوبكر بن أحمد الخطيب رضي الله عنه عن مثل هذا السؤال أو قريب منه (فأجاب) كما في فتاويه بما حاصله: (أن العمل المذكور من متعاطي هذا العمل شبيه بالقرض أو هو هو لانطباق حده الشـرعي عليه وهو في الأصل من القربات المطلوبات، وقد يصير من الواجبات لكن قد تعرض له أشياء تخرجة عن القربة إلى الحرمة كما إذا كان فيه جر منفعة للمقرض أولهما كما في مسألة السؤال فإن فيها جر منفعة للمقرض وهي السلامة من مؤن حملها في الطريق ومن الخوف عليها وذلك محرم داخل في أقسام الربا المجمع على تحريمه)([1])، ثم نقل عن التحفة وغيرها ما يؤيد ذلكومنه عبد الحميد في حاشيته على التحفة: (قوله (كرده ببلد آخر) ومنه ما جرت به العادة من قوله للمقترض أقرضتك هذا على أن تدفع بدله لوكيلي بمكة المشرفه انتهى علي الشبراملسي، أي أو أن يدفع وكيلك بدله لي أو لوكيلي بمكة المشرفة مثلا)([2]) انتهى، ثم قال الشيخ أبوبكر المذكور: ( (فإن قلت) إن العمل المذكور في السؤال يجري بينهما غالباً بلا عقد كبقية العقود فإنها تجري غالباً بين الناس بلا عقد صيغة وقد ذكر أئمتنا أن الربا لا يجري إلا في عقد؟ (قلتُ): بفرض عدم جريان عقده أوشرطه المضر المذكور يكره عندنا ويحرم عند الأئمة الثلاثة بل وعند كثير من أئمتنا علماء الشافعي) ثم نقل عن المغني: (أن الإيجاب، والقبول ليس بشرط في القرض نقلاً عن القاضي والمتولي وإن من اختار صحت البيع بالمعاطاه كالمصنف قياسه اختيارالقرض بها) ثم قال: (وأيضاً ذكروا أن من صرايح القرض خذه بمثله أو ببدله أو خذه ورد بدله أو اصرفه في حوائجك ورد بدله، فخلوا العمل المذكور عن جريان مثل هذه الألفاظ أو عن شرط كون تسليمها ببلد الفلاني مثلاً نادر) ثم نقل عن الكردي في أزهار الربا: (أن من أنواع الربا ما جرت به العادة من إقراض دراهم بالمدينة ويحسبونها بالقروش بحساب المدينة ثم يأخذونها بمكة أو جده بحسابها فتزيد في كل قرش عدة من الدواوين وهذه الزيادة عين الربا، بل لو أخذ العين بالعين لقلنا أنه ربا من حيث انتفاع المقرض بحمل تلك الدراهم عنه إلى مكه أوجده وحمل خطر الطريق عنه فقد صرح ابن حجر في التحفة: بأن شرط رده ببلد آخر مفسد للعقد ومن الربا) انتهى، ثم قال نفع الله به: (فعلى المستبرئ لدينه أن يتحاشى عن مثل هذه الأعمال الشنيعة ما أمكنه فإن الورع رأس الدين وأساسه) إلى أن قال: (نعم نقل الكردي عن المالكية أن خوف الطريق فقط دون راحته من حملها لا يكون مانعا من حل القرض وفيه سعة، وظاهر إطلاق أئمتنا خلافه، وحينئذ فلا يخلو متعاطي العمل المذكور بفرض عدم وجود صيغة من حرمة على قول الأكثرين ومن كراهة على قول البعض، وأما مع وجودها فحرام تعاطي ذلك بالاتفاق بل بالإجماع فليتق الله فاعل ذلك وليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)([3]) انتهى، ومنه يعلم الجواب عن الشق الأول في السؤال.

وأما قول السائل (وهل يسوغ مثلاً أن يأخذ منه 98 ريال فرانصه ويحول له خمسمائة 500شلن قيمة مائة ريال 100 إلى آخر السؤال) (فجوابه): مبني على معرفة حقيقة الشلن في الأصل، فإن كان نقداً أو فيه نقد لم يجز ذلك العمل لأنه يصير من مسائل مد عجوه ودرهم كما لا يخفى، وأما إذا  لم يكن فيه نقد أصلاً لا ذهب ولا فضة، بل من معدن آخر فمن ألحق  الشلنات والأنواط بالنقد لا يبعد أن يحكم بحرمة ذلك ومن لا فلا، وأما النذر بمقدار الخدمة فلا شك أنه لا حامل له أي الناذر على النذر بذلك إلا التوصل إلى العمل بتلك المعاملة فهو من حيل الربا، وقد قال سيدنا الحداد:

ليس دين الله بالحيل
فانتبه يا راقد المقل

هذا ما ظهر لكاتبه الفقير إلى الله تعالى محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم عفا الله عنه في 12 شوال 1375هـ.

وكتب عليه العلامة الشيخ سالم بن سعيد بكيّر ما صورته: الحمد لله، ظهر لي في جواب السؤال المذكور ما ظهر للمجيب نفع الله به فالجواب صواب، والله أعلم.

شارك الآن على:

Facebook
Twitter
LinkedIn