وجوب حضور الجمعة عند صعوبة الطريق

وسئل -رضي الله عنه-: عن رجل سافر يوم الجمعة من بلد تُصَلَّى فيها الجمعة، وقصدُه إلى بلدٍ تُصلَّى فيها الجمعة، فلما قرُبَ من البلد التي هو قاصدها حال بينه وبينها سَيلٌ يُحوِجُ إلى سباحةٍ وتعَب شديدٍ، وهو ليس من ذوي السِّباحة والتعب الشديد، فهل يلزمُه الرجوعُ إلى البلد التي سافر منها؛ لأنه لو رجع ممكن له إدراك الجمعة فيها؟ أم يجوز له أن ينتظر إلى أن يسهُل المرور مطلقاً، سواءً غلبَ على ظنِّه سهولةٌ أو عدمُها أو تردَّدَ، أم فيه تفصيلٌ؟ فإن أجبتُم بالرجوع ولم يرجع.. فهل تبطلُ صلاته ظهراً إذا تقدمت على جمعةِ تلك البلد ؟ أم إذا ضاق الزمن – بحيث لا يمكن إدراك الجمعة في تلك البلد – تصحُّ ظُهْرُه ولو تقدَّمت على تلك الجمعة، بأن صلَّى بمجرَّد دخول الوقت أم غير ذلك ؟

الحمد لله، والله المُلْهِمُ للصواب، إنه متى سافر من بلده فلا يخلو إما أن يكون سفره إلى محل يُسمَعُ منه نداءُ جمعةِ بلدِهِ، أو لا. فإن كان الأول: وجب الرجوعُ وحضور الجمعة مطلقاً، ما لم يعذَرْ بعُذرٍ من أعذار الجمعة والجماعة؛ لأنه مع بلده كمحِلَّةٍ واحدة، فكأنَّه لم يخرج أصلاً.

وإنْ كان الثاني[1]: فلا يخلو إما أن يكون قبل فجر يومها أم بعده، فإن كان الأول.. فلا يجب عليه الرجوع مطلقاً، وإن كان الثاني.. فلا يخلو إما أن لا يتمكن منها في طريقه وهذا يجب عليه الرجوع، وصلاتُها في بلده؛ دفعاً للمعصية لحرمة سفره حينئذ[2]، ما لم يخشَ ضرراً كتخلُّفِه عن الرفقة، أو يتمكن منها في طريقه فلا يجب عليه الرجوع، وهل يجب عليه فعلُها في طريقه أم لا ؟ ذكر شيخُنا المحقق العلامة عبد الرحمن بن محمد المشهور في فتاويه عن الأنوار[3] ما يفيد اللزوم[4].

ثم قال: نعم، إن شرع في السفر بقصد تركها.. فلا إشكال في حرمته، انتهى[5].

فإن بانَ بعد سفره عدم التمكن بأن عرَض نحو سيل منعه العبور كما هو فرض السؤال .. وجبَ عليه الرجوعُ إلى بلده؛ ليصلِّيها إن أمكنه إدراكها كما صرَّحوا به.

قال في ((حاشية البجيرمي)): (فلو تبين خلاف ظنه بعد السفر فلا إثم عليه، والسفر غير معصية كما هو ظاهر. نعم، إن أمكن عوده وإدراكها فيتجه وجوبه (انتهى) شرح م ر، وع ش[6] عليه)[7]، ومثله ((بشرى الكريم))[8]، و((حاشية عبد الحميد على التحفة))[9]، ولا يجوز له انتظار سهولة المرور؛ لأنه ربَّما أدَّى إلى فواتها مع تمكنه منها بالرجوع إلى بلده.

نعم، إن غلب على ظنه سهولة العبور مع إدراك الجمعة بعده.. جاز له الانتظار أخذاً مما ذكره الشيخ ابن حجر في نظير المسألة في ((فتاويه))[10].

وحيث قلنا بوجوب الجمعة، لم يصح إحرامه بالظهر حتى يحصل اليأس منها[11].

نعم إن ضاق الوقت عن إدراكها بأن كان بمحلٍّ لا يصل منه إلى محلها إلا بعد سلام الإمام.. فالظاهر أنه يصح إحرامه به، وظاهره ولو قبل سلام الإمام[12] كما هو قضية كلامهم[13]، وقد يفهمه كلام ((القلائد))[14]، والله أعلم.

1
وهو ما إذا كان سفره إلى محل لا يسمع منه نداء جمعة بلده.
2
في الأصل (ح): وهو اختصار لكلمة (حينئذ)، اعتاد النساخ اختصارها بحرف الحاء.
3
كتاب الأنوار لأعمال الأبرار: للإمام يوسف بن إبراهيم الهلابادي الأردُبِيلي الشافعي المتوفي في حدود سنة (779هـ). ينظر: كحالة، ((معجم المؤلفين)) (13/266).
4
قال الحبيب عبد الرحمن المشهور في ((فتاويه))(ص: 129): (إذا سافر يوم الجمعة مع إمكانها في طريقه.. لم يأثم، وإن لزم تعطيلها على أهلها؛ إذ لا يلزم الشخص تحصيل الجمعة لغيره، وهل يلزمه فعلها حينئذ أم لا، لأنه صار مسافراً وهو لا تلزمه، ذكر في الأنوار ما يفيد اللزوم). وقال الأردبيلي في ((الأنوار))(1/198): ويحرم إنشاء السفر يوم الجمعة بشروط: أحدها: أن يكون السفر مباحاً. الثاني: أن لا يلحقه ضرر بالتخلف عن الرفقة. الثالث: أن لا يمكنه الجمعة في الطريق أو المقصد، وإذا حرم فلا يترخَّص ما لم تفُتْ الجمعة، وإذا جاز لإمكانها في الطريق فعليه الحضور حيث أمكن.
5
قال المصحِّح: ضعَّف الجوهري كلام الأنوار وقال: حيث جاز السفر لتأتيها في طريقه أو مقصده، فله تركها؛ لأنه صار مسافراً، والمسافر لا تلزمه الجمعة، وإنما اشترط التأتي؛ لجواز الشروع في السفر فقط اهـ حاشية الشربيني على شرح البهجة (2/24).
6
الرملي، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج مع حاشية الشبراملسي عليه (2/ 292).
7
سليمان بن محمد البجيرمي، حاشية البجيرمي على شرح المنهج (1/ 379).
8
سعيد بن محمد باعشن، بشرى الكريم بشرح مسائل التعليم (ص: 384).
9
عبد الحميد الشرواني، حاشيته على تحفة المحتاج (2/ 415).
10
قال الشيخ ابن حجر في الفتاوى الفقهية الكبرى (1/ 236): (ويؤخذ منه –أي مما سبق- أنه لو غلب على ظنه أن الإمام يؤخرها أي: الجمعة إلى آخر الوقت بإخباره أو بجريان عادته بذلك وأمكنه الذهاب والعود وإدراكه الإمام قبل ركوع الثانية -يعني قبل الاعتدال منه- جاز له السفر حينئذ، فتستثنى هذه الصورة من كلامهم وهو فرع نفيس اهـ).
11
ينظر ابن حجر، تحفة المحتاج (2/ 418)، الرملي، نهاية المحتاج (2/ 294). قال الشيخ ابن حجر: (اليأس من الجمعة لا يحصل إلا بالسلام؛ إذ قد يتذكر الإمام ترك ركن فيأتي بركعة، ويعلم المأموم ذلك فيدرك معه الجمعة). ابن حجر، تحفة المحتاج (2/ 483)، ومثله الرملي، في نهاية المحتاج (2/ 347).
12
لأنه صار معذوراً بترك الجمعة، إذ أنه أيس من فعلها، فتصح منه الظهر ولو قبل سلام الإمام.
13
المقصود بتعبيرهم (بالمقتضى والقضية): هو الحكم بالشيء لا على وجه الصراحة، كما أفتى به العلامة عبدالله بن محمد بن عبد العزيز الزمزمي. بلفقيه، ((مطلب الأيقاظ)) (ص: 47).
14
قال باقشير في ((قلائد الخرائد)) (1/159): (ومن علم أنه لا يدركها –أي الجمعة- فيه –أي في الوقت- لبُعْد منزله.. صلى الظهر).

شارك الآن على:

Facebook
Twitter
LinkedIn