وسئل -رضي الله عنه-: عن رجل شائبٍ كبيرٍ قد وجَبَ عليه الحج ولا قَدِرَ[1] يسير لا برّاً ولا بحراً، أو أعمى، أو إن كان واحد صغير ويخاف لا يطلع البحر، والبَر عَسُرَ مسيرُه، ومرادُه يُخرِّج حَجَّةً ويرسلُها ويحُج عنه غيرُه هل يجوز أم لا ؟ وإذا قلتم يجوز، هل الصغير والكبير سواء حكمهم، وكذلك في فضلها هل الأفضل يستأجرُ حاجاً في حياتِه أم بعد موتِه، أم على السواء، أم لا يجوز في الحياة للقادر وغيره إلا أذا بلغها بنفسه؟
فأجاب بقوله:
لا خفاء أنَّ الحج أحد أركان الإسلام المعلوم وجوبه بالضرورة لدى الخاص والعام؛ قال الله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) [آل عمران:97]. وقال صلى الله عليه وسلم: (( من استطاع الحج ولم يحجَّ مات إن شاء يهودياً أو نصرانياً ))[2]،
فوجوبه مقيّد بالاستطاعة، وذكر العلماء أنها نوعان: استطاعة بالنفس ولها أحدَ عشرَ شرطاً[3]، واستطاعة بالغير في حق المعضوب، وهو من لا يقدِرُ على الثبوت على الراحلة إلا بمشقة شديدة لا تحتمل عادة[4]، لزمانة أو كِبَرٍ أو مرضٍ لا يُرجَى برؤه، ومثله: الأعمى الذي لم يجد قائداً، وكان بينه وبين مكة مرحلتان فأكثر.
فمن اجتمعت فيه شروط الاستطاعة -ومنها: الثبوت على الراحلة بلا مشقة ووجود الأعمى قائداً- وجب عليه الحج بنفسه، ولا تكفيه إنابة [24/ب] الغير، ويجبُ عليه ركوبُ البحر إذا غلَبَتِ السلامة[5].
وحينئذٍ فالشَّائِب[6] المذكور إن لم يقدر على الثبوت على الراحلة إلا بمشقة، واجتمعت فيه بقية الشروط إلا الثبوت المذكور وجَبَ عليه إنابة غيره ليحجَّ عنه، وكذلك الأعمى بشرطه[7].
وقول السائل: (وإن كان واحد صغير إلخ)، إن أراد بالصغير الذي لم يبلغ فهذا لا يجب عليه الحج أصلاً حتى يبلغ، وإن أراد به صغير الجُثَّة لزمانة أو مرض لا يُرجَى برؤه مثلاً فهو داخل في أقسام المعضوب المتقدم ذكره، فله الإنابة كالشائب المذكور، ولا يعذر بالخوف من ركوب البحر إذا غلَبَتِ السلامة؛ لأن العبرة في وجوب ركوبه بغلبة السلامة كما قدَّمنا.
وقوله: (وكذلك في فضلها إلخ) جوابه: إن حصل العَضلُ بعد الوجوب فهذا تجب عليه الإنابة فوراً؛ لتقصيره بالتأخير حتى عضل[8]، وإن حصل مع الوجوب أو قبله فالأولى له المبادرة بالإنابة لقوله تعالى: (فاستبقوا الخيرات) [البقرة:148]، كما نصَّ عليه الشيخُ أبو إسحاق[9] في ((المُهذَّب))[10]؛ وللمبادرة لبراءة الذمة أيضاً والله أعلم.
مراجع