وسئل -متَّعَ الله به-: عن امرأة وكَّلَتْ شخصاً في أن [يُؤَجِّرَ][1] مَن يحُجُّ عن بنتِها فلانة بنت زيد بأجرة معلومة، أَذِنَتْ له أن يُسلِّمَها مِنْ عندِهِ، ثم يرجِعُ علَيها بها، ثم إنَّ الوكيلَ المذكور رجَعَ مِنَ الحج، وطلبَ الأجرة فأَبَتْ أنْ تُسلِّمَه الأجرةَ، وادَّعت أنه خالَفَ مَا وكَّلتهُ فيه، وأنه إنَّما أجَّرَ مَن يحجُّ عن فلانةٍ بنت عمرو، لا فلانة بنت زيد المؤكل في التأجير عنها، وأنكرَ الوكيلُ المخالفةَ، وأنَّ الغلطَ إنَّما وقعَ من الكاتب لا عن قَصدٍ، فهل يستحقُّ الوكيلُ الأجرةَ والحالُ أنه قد سَلَّم للأجيرِ مِن عندِ نفسِه أم لا؟
فأجاب بقوله:
ينبغي تخريجُ هذه المسألة على مسألة ما لو قال الوكيلُ: أتيتُ بالتَّصرُّفِ المأذون فيه، وأنكرَه الموكِّلُ. والراجحُ فيها حيثُ لا بيِّنة تصديقُ الموكِّل[2]؛ لأن الأصل معه[3]، وإنما صُدِّقَ الوكيلُ في دعوى التلَفِ والرَّدِ؛ لأنه يقصدُ دفع الضمان عن نفسه لا إلزام الموكل شيئاً.
وفي قولٍ: الوكيلُ؛ لأنه أمينُه. ويمكن أن يقال في مسألتنا بترجيح هذا القول، لاسيما إنْ صدَّقَه الأجيرُ، عملاً بتصديق مدَّعِي الصحة[4]، فإن الوكيل هنا يدَّعي جريان صحة العقد الموكَّلِ فيه، [والأصحُّ][5] تصديقُ مدعيها، والموَكِّلةُ عكسُه.
ويؤيد ذلك ما ذكره علي الشبراملِّسي عن حواشي الروض لوالد الجمال الرملي بما نصه:
(ولو ادعى الموكِّلُ أنَّ وكيلَه باع بغَبنٍ فاحش، ونازعه الوكيلُ أو المشترِي منه، فالأصحُّ تصديقُ كلٍّ منهما) اهـ[6]، أي من الوكيل والمشتري اهـ، ع ش وهو متَّجَه.
على أنَّ الغلط المشار إليه في السؤال إن كان كتابةً فقط كما يزعُمُه الوكيل .. فلا يؤثر اتفاقاً؛ إذ لا عبرة شرعاً بمجرد الكتابة وإن جلَّ محرِّرُوها وراقمُوها.
وإن كانت موافقة لما في واقعة الحال ففيه تفصيل يؤخذ حاصله مما ذكره شيخنا العلامة عبد الرحمن المشهور في ((فتاويه))[7] عن العلامة الكردي في نظير مسألتنا:
(وهو إن نوى الأجير عند الإحرام عن المسماة في التأجير غلطاً وقعَ الحجُّ للأجير نفسه، وإن قصد الوكيلُ المذكورُ عند استئجاره الأجيرَ عمَّن ذكرتْ التي وَكَّلتْ في التأجيرِ عنها وقصدَها الأجيرُ عند النيةِ أيضاً .. صحَّ ووقعَ عنها، ولزم الموكِّلَة المذكورة المسمَّى إن صحَّتِ الإجارة، وإلا فأجرة المثل)
هذا حاصل ما ذكره.
وهذا كما لو نَسِيَ اسمَ المستاجرِ عنه، فنوى الحج عمَّن استؤجِرَ عنه.. فيصِحُّ، وقد صرَّحوا[8] بأنه لا يضر الغلط في الاسم إذا كان ثَمَّ قرينة تصرِفه، كما لو قال: أصلي خلفَ زيد هذا أو الذي في المحراب، فبان عَمراً، صحَّت، والقرينةُ هي الإشارة وأل، والله أعلم.
المراجع: